Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
5 juillet 2007 4 05 /07 /juillet /2007 11:05

LAND005.JPG
معاني القرآن ج: 2 ص: 27

وقوله عز وجل   يوصيكم   الله في أولادكم أي يفرض عليكم كما قال ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به 23 ثم قال تعالى للذكر مثل حظ الانثيين خلافا على أهل الجاهلية لانهم كانوا لا يورثون الاناث 24 وقوله عز وجل فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ولم يسم للاثنتين شيئا ففي هذا أقوال أ منها أنه قيل ان فوقا ههنا زائدة وأن المعنى فان كن نساء اثنتين كما قال فاضربوا فوق الأعناق ب وقيل أعطي الاثنتان الثلثين بدليل لا بنص لان الله عز وجل جعل هذه الاشياء يدل بعضها على بعض ليتفقه لها المسلمون والدليل أنه جعل فرض الاخوات والاخوة للام اذا كن اثنتين أو أكثر واحدا فقال عز وجل وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ج ودليل آخر أنه جعل فرض الاخت كفرض البنت فلذلك يجب أن يكون فرض البنتين كفرض الاختين قال الله عز وجل يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وقال أبو العباس محمد بن يزيد في الآية نفسها دليل على أن للبنتين الثلثين لانه قال للذكر مثل حظ الانثيين وأقل العدد ذكر وأنثى فاذا كان للواحدة الثلث دل ذلك على أن للانثيين الثلثين فهذه أقاويل أهل اللغة وقد قيل ليس للبنات الا النصف والثلثان فلما وجب أن لا يكون للابنتين وجب أن يكون لهما الثلثان على أن ابن عباس قال لهما النصف وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى البنتين الثلثين وروى جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله ان زوجي قتل معك يتزوج النساء للمال وقد خلفني وخلف ابنتين وأخا وأخذ الاخ المال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادفع اليها الثمن والى البنتين الثلثين ولك ما بقي 25 وقوله عز وجل فان كان له أخوة فلامه السدس أجمعت الفقهاء أن الاخوة اثنان فصاعدا الا ابن عباس فانه قال لا يكون الاخوة أقل من ثلاثة والدليل على أن الاثنين يقال لهما اخوة قوله وان كانوا اخوة رجالا ونساء فلا اختلاف بين أهل العلم أن هذا يكون للاثنين فصاعدا والاثنان جماعة لانه واحد جمعته الى آخروقال وأطراف النهار يعني طرفيه والله أعلم وصلاة الاثنين جماعة 26 وقوله عز وجل من بعد وصية يوصي بها أو دين روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال انكم تقرؤون من بعد وصية يوصي بها أو دين وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية قال أبو جعفر كأن هذا على التقديم والتأخير وليست أو ههنا بمعنى الواو وانما هي للاباحة والفرق بينها وبين الواو أنه لو قال من بعد وصية يوصي بها ودين جاز أن يتوهم السامع بأن هذا اذا اجتمعا فلما جاء بأو جاز أن يجتمعا وأن يكون واحد منهما 27 وقوله عز وجل آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا قال ابن عباس في الدنيا وقال غيره اذا كان الابن أرفع درجة من الاب سأل الله أن يلحقه به وكذلك الاب اذا كان أرفع درجة منه 28 ثم قال تعالى فريضة من الله ان الله كان عليما حكيما أي عليم بما فرض حكيم به.

فتح القدير ج: 1 ص: 431

هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض وقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة وأكثر مناظراتهم فيه وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام الله من الفرائض ذكر بعض فضائل هذا العلم إن شاء الله قوله   يوصيكم   الله في أولادكم أي في بيان ميراثهم وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا فقالت الشافعية إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة وقالت الحنفية انه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم لم يوجد أولاد الصلب ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافرا ويخرج بالسنة كذلك يدخل القاتل عمدا ويخرج أيضا بالسنة والإجماع ويدخل فيه الخنثى قال القرطبي أجمع العلماء انه يورث من حيث يبول فإن بال منهما فمن حيث سبق فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى وقيل يعطي أقل النصيبين وهو نصيب الأنثى قاله يحيى بن آدم وهو قول الشافعي وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه وكان ما بقى من المال للذكر مثل حظ الأنثيين للحديث الثابث في الصحيحين وغيرهما بلفظ ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر إلا إذا كان ساقطا معهم كالأخوة لأم وقوله للذكر مثل حظ الأنثيين جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم 0ويوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين والمراد حال اجتماع الذكور والإناث وأما حال الأنفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف وللاثنتين فصاعدا الثلثان قوله فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك أي فإن كن الأولاد والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو المولودات نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين أي زائدات على اثنتين على أن فوق صفة لنساء أو يكون خبرا ثانيا لكان فلهن ثلثا ما ترك الميت المدلول عليه بقرينة المقام وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا ولم يسم للاثنتين فريضة ولهذا أختلف أهل العلم في فريضتهما فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين وذهب ابن عباس إلى ان فريضتهما النصف احتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين وقيل في الآية ما يدل على ان للبنتين الثلثين وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للإبنتين إذا انفردتا الثلثان هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد قال النحاس وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين وأيضا للمخالف ان يقول إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف فهذا دليل على ان هذا فرضهما ويكمن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى وإن كانت واحدة فلها النصف كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين وقيل إن فوق زائدة والمعنى إن كن نساء اثنتين كقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق أي الأعناق ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا هو خطأ لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى قال ابن عطية ولان قوله فوق الأعناق هو الفصيح وليست فوق زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ كما قال دريد بن الصمة اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال انتهى وأيضا لو كان لفظ فوق زائدا كما قالوا لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن ثلثا ما ترك واوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في سننه عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال يقضى الله في ذلك فنزلت آية الميراث   يوصيكم   الله في أولادكم الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمهما فقال أعط ابنتى سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك أخرجوه من طرق عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه قوله وإن كانت واحدة فلها النصف قرأ نافع وأهل المدينة 0 واحدة بالرفع على ان كان تامة بمعنى فإن وجدت واحدة أو حدثت واحدة وقرأ الباقون بالنصب قال النحاس وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت المتروكة أو المولودة واحدة قوله ولأبويه لكل واحد منهما السدس أي لأبوى الميت وهو كناية عن غير مذكور جاز ذلك لدلالة الكلام عليه و لكل واحد منهما السدس بدل من قوله ولأبويه بتكرير العامل للتأكيد والتفصيل وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة السدس بسكون الدال وكذلك قرأ الثلث والربع إلى العشر بالسكون وهي لغة بني تميم وربيعة وقرأ الجمهور بالتحريك ضما وهي لغة أهل الحجاز وبنى أسد في جميعها والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ الأب للتغليب وقد اختلف العلماء في الجد هل هو بمنزلة الأب فتسقط به الأخوة أم لا فذهب أبو بكر الصديق إلى انه بمنزلة الأب ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام خلافته واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر ابن عباس وعبدالله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء وطاوس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق واحتجوا بمثل قوله تعالى ملة ابيكم إبراهيم وقوله يا بني آدم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ارموا يا بني إسماعيل وذهب على ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجد مع الأخوة لأبوين أولأب ولا ينقص معهم من الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس في قوله زيد ومالك والاوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وقيل يشرك بين الجد والإخوة إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئا مع ذوى الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة وذهب الجمهور إلى ان الجد يسقط بني الإخوة وروى الشعبي عن على انه أجرى بني الإخوة في القاسمة مجرى الإخوة وأجمع العلماء على ان  الجد لا يرث مع الأب شيئا وأجمع العلماء على ان للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم واجمعوا على أنهما ساقطة مع وجود الأمم واجمعوا على ان الأب لا يسقط الجدة أم الأم   واختلفوا في توريث الجدة وابنها حى فروى عن زيد بن ثابت وعثمان وعلى انها لا ترث وابنها حي وبه قال مالك والثوري والاوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وروى عن عمر وابن مسعود وأبي موسى انها ترث معه وروى أيضا عن علي وعثمان وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر قوله إن كان له ولد الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد وحده أو مع الأنثى منهم فليس للجد إلا السدس وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبة فيما عدا السدس و أولاد ابن الميت كاولاد الميت قوله فإن لم يكن له ولد أي ولا ولد ابن لما تقدم من الإجماع وورثه ابواه منفردين عن سائر الورثة كما ذهب إليه الجمهور من ان الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين اما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين وروى عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسئلة زوج وأبوين مع الاتفاق على انه أفضل منها عند انفرادها عن أحد الزوجين قوله فإن كان له إخوة فلأمه السدس إطلاق الإخوة يدل على انه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما وقد أجمع أهل العلم على ان الإثنين من الإخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأم إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس انه جعل الأثنين كالواحد في عدم الحجب واجمعوا أيضا على ان الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم قوله من بعد وصية يوصى بها أو دين قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم يوصى بفتح الصاد وقرأ الباقون بكسرها واختار الكسر أبو عبيد وأبو حاتم لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا قال الأخفش وتصديق ذلك قوله 0 يوصين وتوصون واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع فقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما وقيل لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت أهتماما بها وقيل قدمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وقيل لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر او لم يذكر وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض فربما يشق على الورثة إخراجها بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه وهذه الوصية مقيدة بقوله تعالى غير مضار كما سيأتي إن شاء الله قوله آباؤكم وابناؤكم لا تدرون ايهم أقرب لكم نفعا قيل خبر قوله اباؤكم وأبناؤكم مقدر أي هم المقسوم عليهم وقيل إن الخبر قوله لا تدرون وما بعده وأقرب خبر قوله أيهم و نفعا تمييز أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح أو ولد صالح يدعو له وقال ابن عباس والحسن قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه وقال بعض المفسرين ان الابن إذا كان ارفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع إليه أباه وإذا كان الأب ارفع درجة من ابنه سأل الله ان يرفع ابنه إليه وقيل المراد النفع في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد وقيل المعنى إنكم لا تدرون من انفع لكم من آبائكم وأبنائكم أمن أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا وقوى هذا صاحب الكشاف قال لأن الجملة اعتراضية ومن حق الاعتراض ان يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه قوله فريضة من الله نصب على المصدر المؤكد إذ معنى   يوصيكم   يفرض عليكم وقال مكى وغيره هي حال مؤكدة والعامل   يوصيكم   والأول أولى إن الله كان عليما بقسمة المواريث حكيما حكم بقسمتها وبينها لأهلها وقال الزجاج 0 عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدره ويمضيه منها قوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد الخطاب هنا للرجال والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في ان للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع وقوله من بعد وصية إلخ الكلام فيه كما تقدم قوله ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك والكلام في الوصية والدين كما تقدم قوله وإن كان رجل يورث كلالة المراد بالرجل الميت و يورث على البناء للمفعول من ورث لا من أورث وهو خبر كان و كلالة حال من ضمير يورث أي يورث حال كونه ذا كلالة أو على ان الخبر كلالة ويورث صفة لرجل أي ان كان رجل يورث ذا كلالة ليس له ولد ولا والد وقرئ يورث مخففا ومشددا فيكون كلالة مفعولا أو حالا والمفعول محذوف أي يورث واريد حال كونه ذا كلالة أو يكون مفعولا له أي لأجل الكلالة والكلالة مصدر من تكلله النسب أي احاط به وبه سمى الاكليل لإحاطته بالرأس وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم وبه قال صاحب كتاب العين وأبي منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبى وأبو عبيد وابن الأنباري وقد قيل انه إجماع قال ابن كثير وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور الخلف والسلف بل جميعهم وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة أنه قال الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة قال أبو عمر ابن عبد البر ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له ولم يذكره في شرط الكلالة غيره وما يروى عن أبي بكر وعمر من ان الكلالة من لا ولد له خاصة فقد رجعا عنه وقال ابن زيد الكلالة الحي و الميت جميعا وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان له فإذا ذهبا تكلله النسب وقيل إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء وقال ابن الأعرابي إن الكلالة بنو العن الأباعد وبالجملة فمن قرأ يورث كلالة بكسر الراء مشددة وهو بعض الكوفيين أو مخففة وهو الحسن وأيوب جعل الكلالة القرابة ومن قرأ يورث بفتح الراء وهم الجمهور احتمل ان يكون الكلالة الميت واحتمل ان يكون القرابة وقد روى عن على وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي ان الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة قال الطبري الصواب ان الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده لصحة خبر جابر فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأوصى بمالي كله قال لا انتهى وروى عن عطاء انه قال الكلالة المال قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له وقال صاحب الكشاف إن الكلالة تنطلق على ثلاثة على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد انتهى قوله أو امرأة معطوف على رجل مقيدة بما قيد به أي أو امرأة تورث كلالة قوله 0 وله أخ أو أخت قرأ سعد بن أبي وقاص من أم وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه قال القرطبي أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا هم الإخوة لأم قال ولا خلاف بين أهل العلم ان الأخوة للأب والأم والأب ليس ميراثهم هكذا فدل إجماعهم على ان الأخوة المذكورين في قوله تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين هم الإخوة لأبوين أو لأب وأفرد الضمير في قوله وله أخ أو أخت لأن المراد كل واحد منهما كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة وقوله يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وقد يذكرونه مثنى كما في قوله أن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما وقد قدمنا في هذا كلاما أطول من المذكور هنا قوله فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث الإشارة بقوله من ذلك إلى قوله وله أخ أو أخت أي أكثر من الأخ المنفرد أو الأخت المنفردة بواحد وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو انثيين أو ذكرا او انثى وقد استدل بذلك على ان الذكر كالأنثى من الإخوة لأم نلأن الله شرك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب قال القرطبي وهذا إجماع ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسئلة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب وذلك في المسئلة المسماة بالحمارية وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما واخوين لأم وإخوة لأبوين فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للأخوة لأبوين ووجه ذلك انه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة ويؤيد هذا الحديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر وهو في الصحيحين وغيرها وقد قررنا دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها المباحث الدرية في المسألة الحمارية وفي هذه المسئلة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف قوله من بعد وصية يوصى بها أو دين الكلام فيه كما تقدم قوله غير مضار أي يوصى حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار كأن يقر بشئ ليس عليه أو يوصى بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة أو يوصى لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم تجزه الورثة وهذا القيد أعني قوله غير مضار راجع إلى الوصية والدين المذكورين فهو قيد لهما فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهى عنها له أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفد منه شئ لا الثلث ولا دونه قال القرطبي وأجمع العلماء على ان الوصية للوارث لا تجوز انتهى وهذا القيد اعنى عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدم من الوصية والدين قال أبو مسعود في تفسيره وتخصيص القيد بهذا المقام لما ان الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم قوله وصية من الله نصب على المصدر أي   يوصيكم   بذلك وصية من الله كقوله فريضة من الله قال ابن عطية ويصح ان يعمل فيها مضار والمعنى ان يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فتكون وصية على هذا مفعولا بها لأن الأسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفيا معنى قرأ الحسن 0 وصية من الله بالجر على اضافة اسم الفاعل إليها كقوله يا سارق الليلة أهل الدار وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على انه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض وان كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله و ذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه والإشارة بقوله تلك إلى الأحكام المتقدمة وسماها حدودا لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها ومن يطع الله ورسوله في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام ا لشرعية كما يفيده عموم اللفظ ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار وهكذا قوله ومن يعص الله ورسوله قرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون وقرا الباقون بالياء التحتية قوله وله عذاب مهين أي وله بعد إدخاله النار عذاب.

 

تفسير الجلالين ج: 1 ص: 100

   يوصيكم   يأمركم الله في شأن أولادكم بما يذكر للذكر منهم مثل حظ نصيب الأنثيين إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد حاز المال فإن كن أي الأولاد نساء فقط فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله فلهما الثلثان مما ترك فهما أولى ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى وفوق قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر وإن كانت المولودة واحدة وفي قراءة بالرفع فكان تامة فلها النصف ولأبوية  أي الميت ويبدل منهما لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ذكر أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فقط أو مع زوج فلأمه بضم الهمزة وكسرها فرارا من الانتقال من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين الثلث أي ثلث المال أو ما يبقى بعد الزوج والباقي للأب فإن كان له إخوة أي اثنان فصاعدا ذكورا أو إناثا فلأمه السدس والباقي للأب ولا شيء للأخوة وإرث من ذكر ما ذكر من بعد تنفيذ وصية يوصي بالبناء للفاعل والمفعول بها أو قضاء دين عليه وتقديم الوصية على الدين وإن كان مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها آباؤكم وأبناؤكم مبتدأ خبره لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا في الدنيا والآخرة فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك هو الله ففرض لكم الميراث فريضة من الله إن الله كان عليما بخلقه حكيما فيما دبره لهم أي لم يزل متصفا بذلك . ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لن ولد منكم أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع ولهن أي الزوجات تعددن أو لا الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا وإن كان رجل يورث صفة والخبر كلالة أي لا والد له ولا ولد أو امرأة تورث كلالة وله أي للمورث كلالة أخ أو أخت أي من أم وقرأ به بن مسعود وغيره فلكل واحد منهما السدس مما ترك فإن كانوا أي الإخوة والأخوات من الأم أكثر من ذلك أي من واحد فهم شركاء في الثلث يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار حال من ضمير يوصى أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث وصية مصدر مؤكد ليوصيكم من الله والله عليم بما دبره لخلقه من الفرائض حليم بتأخير العقوبة عمن خالفه وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق   13 تلك الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده حدود الله شرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها ومن يطع الله ورسوله فيما حكم به يدخله بالياء والنون التفاتا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم   14 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله بالوجهين نارا خالدا فيها وله فيها عذاب مهين ذو إهانة روعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها   15 واللاتي يأتين الفاحشة الزنا من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم أي من رجالكم المسلمين فإن شهدوا عليهن بها فأمسكوهن احبسوهن في البيوت وامنعوهن من مخالطة الناس حتى يتوفاهن الموت أي ملائكته أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة وفي الحديث لما بين الحد قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا رواه مسلم.

تفسير النسفي ج: 1 ص: 207

ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها ايضا مع أخيها لو انفردت معه فوجب لهما الثلثان وفى الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى لأنه جعل للذكر مثل حظ الانثيين وقد جعل للانثى النصف إذا كانت منفردة فعلم أن للذكر فى حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل والضمير فى ولأبويه للميت والمراد الأب والأم إلا أنه غلب الذكر لكل واحد منهما السدس بدل من لأبويه بتكرير العامل وفائدة هذا البدل أنه لو قيل ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه ولو قيل ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها ولو قيل ولكل واحد من أبويه السدس لذهبت فائدة التأكيد وهو التفصيل بعد الاجمال والسدس مبتدأ خبر لأبويه والبدل متوسط بينهما للبيان وقرأ الحسن السدس والربع والثمن والثلث بالتخفيف مما ترك إن كان له ولد وهو يقع على الذكر والانثى فإن لم يكن له ولد وورثه ابواه فلأمه الثلث أى مما ترك والمعنى وورثه أبواه فحسب لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين كان للأم ثلث ما يبقى بعد إخراج نصيب الزوج لا ثلث ما ترك لأن الأب أقوى من الأم فى الارث بدليل أن له ضعف حظها إذا خلصا فلو ضرب لها الثلث كملا لأدى إلى حظ نصيبه عن نصيبها فإن امرأة لو تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللام الثلث والباقى للاب حازت الأم سهمين والأب سهما واحدا فينقلب الحكم إلى أن يكون للانثى مثل حظ الذكرين فلامه بكسر الهمزة حمزة وعلى لمجاروة كسر اللام فإن كان له أى للميت أخوة فلأمه السدس إذا كانت للميت اثنان منالاخوة والأخوات فصاعدا فلأمه السد والأخ لا يحجب والأعيان والغلات والأخياف فى حجم الام سواء من بعد وصية متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وخدة كأنه قيل قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية يوصى بها وما بعده بفتح الصاد مكى وشامى وحماد ويحيى وافق الأعشى فى الاولى وحفص فى الثانية لمجاورة يورث وكسر الاولى لمجاوةر يؤصيكم الله البقاون بكسر الصادين أى يوصى بها الميت أو دين والاشكال أن الدين مقدم على الوصية فى الشرع وقدمت الوصية على الدين فى التلاوة والجواب أن أو لا تدل على الترتيب ألا ترى انك إذا قلت جاءنى زيد أو عمرو كان المعنى جاءنى أحد الرجلين فكان التقدير فى قوله من بعد وصية يؤصى بها أو دين من بعد أحد هذين الشيئين الوصية أو الدين ولو قيل بهذا اللفظ لم يدر فيه الترتيب بل يجوز تقديم المؤخر وتأخير المقدم كذا هنا و إنما قدمنا الدين على الوصية بقوله عليه السلام ألا أن الدين قبل الوصية و لانها تشبه الميراث من حيث أنها صلة بلا عوض فكان اخراجها مما يشق على الورثة وكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فقدمت على الدين ليسارعوا إلى اخراجها مع الدين آباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطف عليه والخبر لاتدرون وقوله أيهم مبتدأ خبره أقرب لكم والجملة فى موضع نصب بتدرون نفعا تمييز والمعنى فرض الله الفرائض على ماهو على حكمة ولو وكل ذلك اليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فوضعتم انتم الأموال على غير حكمة والتفاوت فى السهام بتفاوت المنافع وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك فضلا منه ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لا موضع لها من الاعراب فريضة نصيب نصب المصدر المؤكد أى فرض ذلك فرضا من الله إن الله كان عليما     بالأشياء قبل خلقها حكيما فى كل مافرض وقسم من الموابيث وغيرها ولكم نصف ما ترك ازواجكم أى زوجاتكم إن لم يكن لهن ولد أى ابن أو بنت فإن كان لهن ولد منكم أو من غيركم فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم أن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين والواحد والجماعة سواء فى الربع والثمن جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجه لدلالة قوله للذكر مثل حظ الانثيين و إن كان رجل يعنى للميت وهو اسم كان يورث من ورث أى يورث منه وهو صفة لرجل كلالة خبر كان أى و إن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير فى يورث والكلالة تطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا و على من ليس بولد ولا والد من المخلفين وهو فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء أو امرأة عطف على رجل وله أخ أو أخت أى لأم فإن قلت قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره قلت اما افراده فلأن أو لأحد الشيئين واما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكره مبدوء به أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا اكثر من ذلك من واحد فهم شركاء فى الثلث لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهى لا ترث أكثر من الثلث ولهذا لا يغضل الذكر منهم على الأنثى من بعد وصية يوصى بها أو دين إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين فالأول الوالدان والأولاد والثاني الزوجة والثالث الزوج والرابع الكلالة غير مضار حال أى يوصى بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصى بزيادة على الثلث أو لوارث وصية من الله مصدر مؤكد أى   يوصيكم   بذلك وصية والله عليم ممن جار أو عدل فى وصيته حليم على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد فإن قلت فأين ذو الحال فيمن قرأ يوصى بها قلت يضمر يوصى فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل يوصى بها علم أن ثم موصيا كما كان رجال فاعل ما يدل عليه يسبح لأنه لما قيل يسبح له علم أن ثم مسبحا فاضمر يسبح واعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ولها النصف وللأكثر الثلثان وبنت الابن وان سفلت وهى عند عدم الولد كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس وتسقط بالابن وبنتى الصلب إلا أن يكون معها أو اسفل منها غلام فيعصبها والأخوات لأب وأم وهن عند عدم الولد ولدالابن كالبنات والاخوات لأب وهن كالأخوات لأب و أم عند عدمهن وبصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن ويسقطن بالابن وابنه و إن سفل والأب و بالجد عند أبى حنيفة رحمه الله وولد الأم فللواحد السدس وللاكثر الثلث وذكرهم كانثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن و إن سفل والأب والجد والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن و إن سفل ومع البنت أو بنت الابن و إن سفلت السدس والباقى والجد وهو أبو الأب وهو كالأب عند عدمه إلا فى رد الام إلى ثلث ما يبقى والام ولها السدس مع الولد أو ولد الابن و إن سفل أو الاثنين من الاخوة والاخوات فصاعدا من أى جهة كانا وثلث الكل عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين فى زوج وأبوين أو زوجة وأبوين والجدة ولها السدس و إن كثرت لأم كانت أو لأب والبعدى تحجب بالقربى والكل بالأم والأبويات بالأب والزوج وله الربع مع الولد أو ولد الابن و إن سفل وعند عدمه النصف والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد الابن و إن سفل وعند عدمه الربع والعصبات وهم الذين يرثون ما بقى من الفرض وأولاهم إلابن ثم ابنه و إن سفل ثم الاب ثم أبوه و إن علائم الأخ لأب و أم ثم الاخ لاب ثم ابن الأخ لأب وأم ثم ابن الأخ لاب ثم الأعمام ثم أعمام الاب ثم أعمام الجد ثم المعتق ثم عصبته على الترتيب واللاتى فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن وذوو الأرحام وهم الاقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائص وترتيبهم كترتيب العصبات تلك اشارة إلى الأحكام التى ذكرت فى باب اليتامى والوصايا والمواريث حدود الله سماها حدودا لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها انتصب خالدين وخالدا على الحال وجمع مرة وأفرد أخرى نظرا إلى معنى ن ولفظها ندخله فيهما مدنى وشامى وله عذاب مهين لهوانه عند الله ولا تعلق للمعتزلة بالآية فانها فى حق الكفار إذ الكافر هو الذى تعدى الحدود كلها و أما المؤمن العاصى فهو مطيع بالإيمان غير متعد حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك وقال الكلبى ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمه المواريث.

للرجال نصيب   مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم مما قل منه أو كثر بدل مما ترك بتكرير العامل والضمير فى منه يعود إلى ما ترك نصيبا رنصب على الاختصاص بمعنى اعنى نصيبا مفروضا مقطوعا لابد لهم من يحوزه روى أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون لا يرث الامن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال ارجعى حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية فبعث اليهما لا تفرقا من مال أوس شيئا فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقى ابنى العم و إذا حضرا القسمة أى قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فاعطوهم رمنه مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باق لم ينسخ وقيل كان واجبا فى الابتداء ثم نسخ بآية الميراث وقولوا لهم قولا معروفا عذرا جميلا وعدة حسنة وقيل القول المعروف أن يقولوا لهم حذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا المراد بهم الأوصاء أمروا بأن يشخوا الله فيخافوا على من فى حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا و أن يقدروا ذلك فى أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة ولو مع ما فى حيزه صله للذين أى وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم الذهاب كافلهم وجواب لو خافوا والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بيا بنى ويا ولدى أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ظالمين فهو مصدر فى موضع الحال إنما يأكلون فى بطونهم ملء بطونهم نارا أى يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار روى أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا وسيصلون شامى و أبو بكر أى سيدخلون سعيرا نارا من النيران مبهمة الوصف.

 

 

Published by الشاذلي - dans نفائس النصوص
commenter cet article
1 juillet 2007 7 01 /07 /juillet /2007 12:36

imagesil.jpg

معاني القرآن ج: 2 ص: 23

وقوله عز وجل   للرجال نصيب   مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون يروى أنهم كانوا لا يورثون النساء وقالوا لا يرث الا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف فأنزل الله وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا

تفسير النسفي ج: 1 ص: 205

 للرجال نصيب   مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون هم المتوارثون

النساء 711    من ذوى القرابات دون غيرهم مما قل منه أو كثر بدل مما ترك بتكرير العامل والضمير فى منه يعود إلى ما ترك نصيبا رنصب على الاختصاص بمعنى اعنى نصيبا مفروضا مقطوعا لابد لهم من يحوزه روى أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون لا يرث الامن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت فقال ارجعى حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية فبعث اليهما لا تفرقا من مال أوس شيئا فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقى ابنى العم و إذا حضرا القسمة أى قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين من الأجانب فارزقوهم فاعطوهم رمنه مما ترك الوالدان والأقربون وهو أمر ندب وهو باق لم ينسخ وقيل كان واجبا فى الابتداء ثم نسخ بآية الميراث وقولوا لهم قولا معروفا عذرا جميلا وعدة حسنة وقيل القول المعروف أن يقولوا لهم حذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا المراد بهم الأوصاء أمروا بأن يشخوا الله فيخافوا على من فى حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا و أن يقدروا ذلك فى أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة ولو مع ما فى حيزه صله للذين أى وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم الذهاب كافلهم وجواب لو خافوا والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بيا بنى ويا ولدى أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ظالمين فهو مصدر فى موضع الحال إنما يأكلون فى بطونهم ملء بطونهم نارا أى يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار روى أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا وسيصلون شامى و أبو بكر أى سيدخلون سعيرا نارا من النيران مبهمة الوصف.

الكافي ج: 1 ص: 555

لا يرث احد من ليس على دينه وملته بنسب ولا غيره ولا يجب الميراث الا بأحد ثلاثة أوجه نسب ثابت معلوم أو ولاء صحيح وهو كالنسب ثم عدم النسب أو نكاح صحيح ويجب باستحقاق الاب الولد من بالحق الحلال وكل ما اختلف فيه من النكاح فثبت فيه النسب وسقط عنه الحد وأقرا عليه ثبت في الميراث وليس كل ذي نسب يرث برحمه وانما يرث من ذوي الارحام من فرض الله عز وجل له الميراث في كتابه او على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يأتي ذكره ملخصا في كتاب الفرائض ان شاء الله ومن اوجب الله له من المسلمين ميراثا من ذوي رحمه فإنما ذلك اذا كان مسلما حرا ولم يكن قاتلا عمدا لأن العبوديه والكفر وقتل العمد موانع من الميراث بلا اختلاف وميراث المرتد لجماعة المسلمين اذا قتل على ردته لأنه كافر ولا عهد له فما له فيء ولا يرثه ورثته من المسلمين ولا من الكافرين ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما ولا يتوارث أهل ملتين شتى لا يرث زفر نصرانيا ولا مجوسيا ولا يرثانه وكذلك كل ملتين ودينين مختلفين لا يتوارثا وميراث المنبوذ لجماعة المسلمين لا لملتقطه ومن اسلم على يدي رجل فلا ولاء له عليه ولا ميراث له منه وتوأما الملاعنه يتوارثان بالاب والام وتوأما الزانيه يتوارثان بالام فقط واختلف عن مالك واصحابه في توأمي المغتصبه على قولين احدهما أنها كالزانيه والآخر انهما لسقوط الحد عن الام وانقطاع نسب الاب كالملاعنه وروى ابو زيد عن ابن القاسم عن ابن السمح عن مالك في المغتصبة تلد توأمين أنهما يتوارثان بالاب وابن الملاعنة لايرثه ابوه ولا احد بسبب ابيه وانما ترثه امه واخوته لامه وما فضل عنهم فلبيت مال المسلمين الا ان تكون أمه مولاة قوم فيكونون عصبة لأن مواليه يرثونه بالولاء بالتعصب فإن لم يكن لابن الملاعنة أخ أو أخوة من أم يرثون مع أمهم فرائضهم لم تكن أمه ولا عصبتها عصبة له ولا يرد على أمه ولا على اخوته شيء وما فضل عن امه أو عن امه واخوته فلبيت المال ولو ترك ابن الملاعنة ابنا واما كان لأمه السدس وما بقي للابن ولو ترك ابنة وأما كان للابنة النصف ولأمه السدس وما بقي فلموالي أمه ان كانت مولاة والا فلجماعة المسلمين وان ترك ابنة وامه واخاه لأمه كان لأمه السدس ولابنته النصف ولم يكن لأخيه لأمه شيء لأن الأخ للأم لا يرث شيئا مع أحد من البنين وسواء كانا توأمين توأمين ولو ترك أمه وأخاه كان للام الثلث وللاخ السدس وما بقي فحيث ذكرنا من موالي أمه أو بيت المال ولو ترك أخوة أو أخوات لأمه وأمه كان لأمه السدس ولاخوته أو أخواته الثلث أخوين كانوا أو أختين أو أكثر من ذلك وما فضل فلموالي أمه أو لبيت المال وولد الزنا ترثه أمه واخوته لأمه كذلك أيضا وكذلك لا يتوارث أحد بولادة الأعاجم لا باقرارهم ولا بشهادة بعضهم لبعض ولا بما يحرمون من نكاحهم لأن حقيقة أمرهم تخفى إلا أن يكونوا أهل حصن أسلموا طوعا قسر فإن هؤلاء يتوارثون باقرار بعضهم لبعض وتقبل شهادة عدولهم بعضهم لبعض هذا تحصيل مذهب مالك وقد قيل عنه انه ان ثبتت ولادتهم بأرض الشرك ولم يكونوا في ملك أحد توارثوا بتلك الشهادة قليلا كانوا أو كثيرا وقال ابن القاسم عن مالك إنما تفسير قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يتوارث أحد بولادة الأعاجم في الدعوى خاصة وأما ان ثبت ذلك بعدول المسلمين توارثوا قال عبدالملك كان ابي ومالك والمغيرة وابن دينار يقولون بقول ابن هرمز ثم رجع مالك عن ذلك قبل موته بيسير فقال بقول ابن شهاب انهم يتوارثون بولادة الأعاجم إذا ثبت ذلك بعدول المسلمين ومن ولد فى دار الإسلام توارثوا بولادتهم في دار الإسلام إن كانوا أحرارا ومن جاءت من السبي حاملا فوضعت بولد فهو يرثها وترثه ومن فقد فلم يعلم خبره عمر سبعين سنة وقبل ثمانين سنة وقيل تسعين سنة بما مضى من عمره ثم كان ماله لورثته ومن مات منهم قبل تعميره فلا شيء له من ميراثه ومن مات من أقارب المفقود وله مال وقف ماله المفقود حتى تعلم حياته فيكون المال له أو يمضي تعميره فيكون مال الميت لورثته دون المفقود ودون ورثته مسند أبي عوانة  1 ج: 3 ص: 436

   5595 حدثنا يونس قثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب ح      وحدثنا الصغاني عن أبي عاصم عن ابن جريج كليهما عن ابن شهاب بمثله     5596 حدثنا محمد بن إسحاق وحمدان السلمي قالا ثنا عبد الرزاق قال أنبا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أين تنزل غداً وذلك في حجته      قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً فقال لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ثم قال نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة يعني المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر وذلك أن بني كنانة حالفت قريشـاً على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم قال الزهري الخيف الوادي     5597 حدثنا محمد بن علي النجار قثنا عبد الرزاق عن معمر والأوزاعي عن الزهري بمثله  .

الأدلة الرضية ج: 1 ص: 323

ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها

 والعكس ولا يرث المولود إلا إذا استهل وميراث العتيق لمعتقه لبعض بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام ويحرم بيع الولاء وهبته ولا توارث بين أهل ملتين ولا يرث القاتل من المقتول.

المحلى ج: 9 ص: 252

  كتاب المواريث    يخرج من رأس المال دين الغرماء فإن فضل منه شيء كفن منه الميت وإن لم يفضل منه شيء كان كفنه على من حضر من الغرماء أو غيرهم لما قد ذكرنا في كتاب الجنائز من ديواننا هذا      وعمدة ذلك قوله تعالى من بعد           دين النساء      وأن مصعب بن عمير رضي الله عنه لم يوجد له إلا ثوب واحد فكفن فيه ولأن تكليف الغرماء خاصة أن يكون الكفن ناقصا من حقوقهم ظلم لهم وهذا واجب على كل من حضر من المسلمين والغرماء من جملتهم     1708   مسألة فإن فضلت فضلت من المال كانت الوصية في الثلث فما دونه    يتجاوز بها الثلث على ما نذكر في كتاب الوصايا من ديواننا هذا إن شاء الله عز وجل وكان للورثة ما بقي لقول الله تعالى من بعد           دين النساء     1709   مسألة ولا يرث من الرجال إلا الأب يروي أبو الأب وأبو الجد  المذكور وهكذا ما وجد ولا يرث مع الأب جد ولا مع الجد أبو جد ولا مع أبي الجد جد جد ولا يرث جد من قبل الأم ولا جد من قبل جدة ولا الأخ الشقيق أو للأب فقط أو للأم فقط وابن الأخ الشقيق وابن الأخ للأب ولا يرث ابن أخ لأم والابن وابن الابن وابن ابن الابن وهكذا ما وجد والعم شقيق الأب وأخو الأب لأبيه ولا يرث أخو الأب لأمه وابن العم الشقيق وابن العم أخو الأب لأبيه وعم الأب الشقيق أو الأب وهكذا ما علا وأبناؤهم الذكور والزوج والمعتق ومعتق المعتق وهكذا ما علا لا يرث من من ذكرنا ولا خلاف في أن هؤلاء يرثون ولا يرث من النساء إلا الأم والجدة والابنة وابنة الابن وابنة ابن الابن وهكذا ما وجدت ولا ترث ابنة ابنة ولا ابن ابنة والأخت الشقيقة أو للأب أو للأم والزوجة والمعتقة ومعتقة المعتقة وهكذا ما علا ولا يرث ابن أخت ولا بنت أخت ولا ابنة أخ ولا ابنة عم ولا عمة ولا خالة ولا خال ولا جد لأم ولا ابنة ابنة ولا ابن ابنة ولا بنت أخ لأم ولا ابن أخ لأم ولا خلاف في أن من ذكرنا لا يرث ولا يرث مع الأب جد ولا ترث مع الأم جدة ولا يرث أخ ولا أخت مع ابن ذكر ولا مع أب ولا يرث ابن أخ مع أخ شقيق أو لأب ولا يرث أخ لأم مع أب ولا مع ابن ولا مع ابنة ولا مع جد ولا يرث عم مع أب ولا مع جد ولا مع أخ شقيق أو لأب ولا مع ابن أخ شقيق أو لأب وإن سفل      برهان هذا كله نصوص القرآن وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رويناه من طريق وهيب عن طاوس عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألحقوا الفرائض بأصحابها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر      وكل من ذكرنا أيضا فلا اختلاف فيه أصلا وأخرنا الذي فيه اختلاف لنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في أبوابه     1710   مسألة أول ما يخرج مما تركه الميت إن ترك شيئا من المال    ديون الله تعالى إن كان عليه منها شيء كالحج والزكاة والكفارات ونحو ذلك ثم إن بقي شيء أخرج منه ديون الغرماء إن كان عليه دين فإن فضل شيء كفن منه الميت وإن لم يفضل منه شيء كان كفنه على من حضر من الغرماء أو غيرهم فإن فضل بعد الكفن شيء نفذت وصية الميت في ثلث ما بقي ويكون للورثة ما بقي بعد الوصية      برهان ذلك قول الله تعالى في آيات المواريث من بعد           دين النساء     وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدين الله أحق أن يقضى أقضوا الله فهو أحق بالوفاء وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في كتاب الصيام والزكاة والحجمن ديواننا هذا فأغنى عن إعادته فالآية تعم ديون الله تعالى وديون الخلق والسنن الثابتة بينت أن دين الله تعالى مقدم على ديون الخلق وأما الكفن فقد ذكرناه في كتاب الجنائزوصح أن حمزة والمصعب بن عمير رضي الله عنهما لم يوجد لهما شيء إلا شملة شملة فكفنا فيهما وقال قوم الكفن مقدم على الديون      قال أبو محمد وهذا خطأ لأن النص جاء بتقديم الدين كما تلونا فإذ قد صار المال كله للغرماء بنص القرآن فمن الظلم أن يخص الغرماء بإخراج الكفن من مالهم دون مال سائر من حضر إذ لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا نظر ولا احتياط لكن حكمه أنه لم يترك شيئا أصلا ومن لم يترك شيئا فكفنه على كل من حضر من المسلمين لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولى كفن أخيه أن يحسنه فصار إحسان الكفن فرضا على كل من حضر الميت فهذا عموم للغرماء وغيرهم ممن حضر      ولا خلاف في أن الوصية لا تنفذ إلا بعد انتصاف الغرماء لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام فمال الميت قد صار في حقوق الله تعالى أو للغرماء بموته كله أو بعضه فحرام عليه الحكم في مال غيره وإنما ينفذ حكمه في ماله الذي يتخلف فصح بهذا أن الوصية فيما يبقى بعد الدين     1711   مسألة ومن مات وترك أختين شقيقتين أو لأب أو أكثر من أختين    أيضا ولم يترك ولدا ولا أخا شقيقا ولا لأب ولا من يحطهن مما نذكر فلهما ثلثا ما ترك أو لهن على السواء      وكذلك من ترك ابنتين فصاعدا ولم يترك ولدا ذكرا ولا من يحطهن فلهما أولهن ثلثا ما ترك أيضا برهان ذلك قول الله عز وجل إن امرؤ           مما ترك النساء      ومن طريق أحمد بن شعيب أنا إسماعيل بن مسعود الجحدري نا خالد بن الحارث هو الهجيمي نا هشام هو الدستوائي نا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال اشتكيت وعندي سبع أخوات لي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ألا أوصى لأخواتي بالثلثين ثم خرج وتركني ثم رجع إلي فقال إني لا أراك ميتا من وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين .

المحرر في الفقه ج: 1 ص: 410

 باب ميراث الغرقى والهدمى      إذا مات متوارثان معا وعلم الورثة ذلك لم يتوارثوا وإن جهلوا كيف ماتا أو تحققوا السابق وجهلوا عينه ورث كل واحدا منهما من صاحبه من تلاد ماله دون ما ورثه عن الميت معه فيقدر أحدهما مات أولا ويورث الآخر من تركته ثم يقسم إرثه منها على ورثته الأحياء ثم يصنع وصله وتركته كذلك      فلو مات كذلك أخوان أحدهما عتيق زيد والآخر عتيق عمرو صار مال كل واحد منهما لمعتق الآخر ولو علموا السابق ثم نسوه فالحكم كما لو جهلوه أولا      وقال القاضي في خلافه لا يمتنع أن نقول هنا بالقرعة وإن ادعى ورثة كل ميت سبق الآخر ولا بينة أو تعارضت بذلك البينة تحالف ورثتهما لإسقاط الدعوى ولم يتوارثا نص عليه في أمرأة وابنها ماتا فقال زوجها ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد منهما لإبطال دعوى صاحبه وكانت تركة الابن لأبيه وتركة المرأة لأخيها وزوجها نصفين      وقال ابن أبي موسى يعين السابق بالقرعة      وقال أبو الخطاب وغيره يتوارثان كما لو جهل الورثة حالهما      وخرجوا على المنصوص امتناع الإرث مع الجهل والصحيح التفرقة كما اختاره الخرقي     ولو عين الورثة وقت موت أحدهما وشكوا هل مات الآخر قبله أو بعده ورث من شك في وقت موته من الآخر إذ الأصل بقاؤه وقيل لا توارث بينهما بحال وهو متعذر

 باب ميراث المطلقة      من أبان زوجته مرض الموت المخوف قطع التوارث بينهما فأما طلاقه الرجعي فلا يقطعه مالم تنقض عدتها      وإن أبانها في مرض موته المخوف متهما بقصد حرمانها كمن طلقها الثلاث ابتداء أو طلقة بعوض من أجنبي أو علق الثلاث على فعل لا بد لها منه كصلاة الفرض وكلام أبيها ففعلته أو وطىء حماته أو قال للذمية إذا أسلمت أو للأمة إذا اعتقت فأنت طالق ثلاثا أو علم أن سيد الأمة قال لها أنت حرة غدا فأبانها اليوم أو علقه في الصحة على مرضه أو على فعل نفسه فعله في المرض أو على تركه كقوله لأتزوجن عليك فلم يفعل حتى مات أو وكل في صحته من يطلق متى شاء فطلق في مرضه ورثته ما دامت في العدة رواية واحدة ولم يرثها فإن انقضت العدة أو كان الطلاق قبل الدخول لم ترثه وعنه ترثه مالم تتزوج      فعلى هذا إن تزوج أربعا سواها ثم مات فميراث الزوجية بين الخمس وعنه وهو الأصح أن ربعه للمبتوتة وثلاثة أرباعه للأربع إن تزوجهن في عقد وإلا فللثلاث السوابق للعقد      ولو كان مكان المبتوتة أربع ففرض الزوجية للتمان على الأول وللمطلقات فقط على الثاني فإن ماتت إحدى المطلقات أو تزوجت فقسطها للموجودات إن تزوجهن في عقد وإلا قدمت السابقة إلى أن يكمل بالمطلقات أربع     وكذلك حكم من تزوج أربعا بعد أربع وقال أخبرنني بانقضاء عدتهن فكذبنه ومكناه من التزوج أو من لم يتهم في المبتوتة لقصد الحرمان كمريض طلقها بائنا بسؤالها أو ابتداء فارتدت ثم عادت فأسلمت أو علقه بفعل لها منه بد ففعلته أو أبان منجزا من لا ترث كالذمية والأمة فعتقت وأسلمت أو علقه بمجيء الغد فعتقت وأسلمت قبله أو علقه في الصحة على شرط ليس من صنعه ولا صنعها أو من صنعها ولها منه بد فوطىء في المرض أو وطىء المريض المجنون أم زوجته فهو كطلاق الصحيح وعنه كالمريض المتهم      ولو علقه في الصحة على فعل لها لا بد لها منه ففعلته في المرض أو قذفها في الصحة وبانت منه باللعان في المرض ففيه روايتان      أصحهما أنه كابتداء الإبانة في المرض      وإذا فعلت المريضة ما يقطع نكاحها لم ينقطع إرث زوجها في العدة وفيما بعدها وجهان إلا إذا لم يتهم به كفسخ المعتقة تحت عبد فينقطع على الأصح كإبانة المسلم للكافرة      ومن أكره زوجة أبيه أو جده المريض وهو له وارث على ما يفسخ نكاحها لم يقطع إرثها إلا أن يكون له امرأة ترث سواها وسواء تم إرثه أو انقطع لتجدد قتل أو حجب ونحوه وإن طاوعته لم ترث على الأصح      ومن مات عن زوجات نكاح بعضهن فاسد أو منقطع قطعا يمنع الإرث ولم تعلم عينها أخرج الوارثان بالقرعة      ومن ادعت عليه زوجته طلاقا يقطع الإرث فجحد لم ترثه إن مات إذا كانت مقيمة على قولها   باب موانع الإرث من قتل ينوي واختلاف دين      القاتل عمدا أو خطأ بمباشرة أو سبب لا يرث من قتله قتلا مضمونا بقود أو دية أو كفارة     فأما مالا يضمنه كالقتل قودا أو حدا أو دفعا عن النفس أو قتل العادل الباغي أو الباغي العادل على الأصح فلا يمنعه الإرث وعنه يمنع الباغي دون غيره وعنه يمنع فلا يرث قاتل بحال

    ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما إلا بالولاء وعنه لا يتوارثان به أيضا فإن أسلم الكافر قبل القسمة لميراث المسلم ورث منه وعنه لا يرث كالرقيق يعتق قبل القسمة      ويرث الكفار بعضهم بعضا وإن اختلفت مللهم وعنه أن اليهود ملة والنصرانية ملة وسائر الكفر ملة وأن كل ملة لا ترث الأخرى      ويتوارث الذمي والمستأمن والمستأمن والحربي وكذلك الذمي والحربي نص عليه وقال أكثر أصحابنا لا يتوارثان      والمرتد لا يرث أحدا إلا أن يسلم قبل قسمة الميراث ففيه الروايتان فإن مات أو قتل على ردته فماله فيء وعنه لورثته من المسلمين وعنه لورثته من أهل دينه الذي اختاره      والرقيق لا يورث وإن قلنا يملك بل ماله لسيده ولا يرث أحدا بحال وقيل في المكاتب خاصة يموت له عتيق ثم يؤدي فيعتق إنه يأخذ إرثه بالولاء      والمعتق بعضه يورث عنه ما ملكه بجزء حريته ويرث ويحجب بقدر ما فيه منها      فإذا كانت بنت نصفها حر مع أم وعم أخذت بنصف الحرية نصف النصف وحجبت به الأم عن نصف السدس فيبقى لها الربع ويبقى للعم سهمان من أربعة      فإن كان مكانها ابن فقيل له نصف المال وقيل نصف الباقي بعد ربع الأم وهو اختيار أبي بكر وفيه بعد وقيل ينظر ما تستحقه بكمال الحرية مع ذي الفرض وهو هنا خمسة أسداس المال فتعطى نصفه وهو الأصح     وكذلك الخلاف في كل عصبة نصفه حر مع فروض ينقص به فإن لم ينقص به كجدة وعم مع ابن نصفه حر فعلى الأول له نصف المال وعلى الآخرين له نصف الباقي بعد الفرض وهو أصح

 

الروض المربع ج: 3 ص: 45

باب ميراث أهل الملل جمع ملة بكسر الميم وهي الدين والشريعة من   موانع الإرث  اختلاف الدين ف فلا يرث المسلم الكافر إلا بالولاء لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته رواه الدارقطني وإلا إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم فيرث ولا يرث الكافر المسلم إلا بالولاء لقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر متفق عليه وخص بالولاء فيرث به لأنه شعبة من الرق و اختلاف الدارين ليس بمانع ف يتوارث الحربي والذمي والمستأمن إذا اتحدت أديانهم لعموم النصوص وأهل الذمة يرث بعضهم بعضا مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها وهم ملل شتى لقوله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين شتى والمرتد لايرث أحدا من المسلمين ولا من الكفار لأنه لا يقر على ما هو عليه فلم يثبت له حكم دين من الأديان وإن مات المرتد على ردته فماله فيء لأنه لا يقر على ما هو عليه فهو مباين لدين أقاربه ويرث المجوس بقرابتين محجوبتين في قول عمر وعلي وغيرهما إن أسلموا أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم فلو خلف أمه وهي أخته بأن وطئ أبوه ابنته فولدت هذا الميت ورثت الثلث بكونها أما والنصف بكونها أختا وكذا حكم المسلم يطأ ذات رحم محرم منه اليسرى نكاح أو تسر ويثبت النسب ولا إرث بنكاح ذات رحم محرم كأمه وبنته وبنت أخيه ولا إرث بعقد نكاح لا يقر عليه لو أسلم كمطلقته ثلاثا وأم زوجته وأخته من الرضاع.

  الإقناع للشربيني ج: 2 ص: 382

  موانع الإرث  والموانع أيضا أربعة كما قاله ابن الهائم في شرح كفايته الرق والقتل واختلاف الدين والدور الحكمي      وهو أن يلزم من توريث شخص عدم توريثه كأخ أقر بابن للميت فيثبت نسب الابن ولا يرث      القول في الوارثون من الرجال والوارثون من جنس الرجال ليدخل فيه الصغير عشرة بطريق الاختصار منهم اثنان من أسفل النسب وهما الابن وابن الابن وإن سفل بفتح الفاء على الأفصح أي نزل      واثنان من أعلاه و هما الأب يروي أبو الأب وإن علا وأربعة من الحواشي و هم الأخ لأبوين أو من أحدهما وابنه أي ابن الأخ للأبوين أو لأب فقط ليخرج ابن الأخ للأم فلا يرث لأنه من ذوي الأرحام وإن تراخيا أي وإن سفل الأخ المذكور وابنه والعم لأبوين أو لأب فقط ليخرج العم للأم فلا يرث لأنه من ذوي الأرحام وابنه أي العم المذكور وإن تباعدا أي العم المذكور وابنه      والمعنى أنه لا فرق في العم بين القريب كعم الميت والبعيد كعم أبيه وعم جده إلى حيث ينتهي وكذلك ابنه واثنان بغير النسب و هما الزوج ولو في عدة رجعية والمولى ويطلق على نحو عشرين معنى المراد منها هنا السيد المعتق بكسر التاء والمراد به من صدر منه الإعتاق أو ورث به فلا يرد على الحصر في العشرة عصبة المعتق ومعتق المعتق      وطريق البسط هنا يقال الوارثون من الذكور خمسة عشر الأب وأبوه وإن علا والابن وابنه وإن سفل والأخ الشقيق والأخ للأب والأخ للأم وابن الأخ الشقيق وابن الأخ للأب والعم لأبوين والعم لأب وابن العم لأبوين وابن العم لأب والزوج والمعتق      القول في الوارثات من النساء والوارثات من جنس النساء ليدخل فيهن الصغيرة سبع بتقديم السين على الموحدة بطريق الاختصار منهن اثنتان من أسفل النسب وهما البنت وبنت الابن وفي بعض النسخ وإن سفلت وهو في بعض نسخ المحرر أيضا وصوابه وإن سفل بحذف الشاة إذ الفاعل ضمير يعود إليه أي وإن سفل الابن فإن بنته ترث وإثبات الشاة يؤدي إلى دخول بنت بنت الابن في الإرث وهو خطأ تركها وثنتان من أعلى النسب و هما الأم والجدة المدلية بوارث كأم الأب وأم الأم وإن علت فخرج بالمدلية بوارث أم أبي الأم فلا ترث      وواحدة من الحواشي و هي لأبوين أو من أحدهما      وثنتان بغير النسب و هما الزوجة ولو في عدة رجعية و السيدة المعتقة بكسر الشاة وهي من صدر منها العتق أو ورثت به كما مر      تنبيه الأفصح أن يقال في المرأة زوج والزوجة لغة مرجوحة قال النووي واستعمالها في باب الفرائض متعين ليحصل الفرق بين الزوجين انتهى      و الشافعي رضي الله تعالى عنه يستعمل في عبارته المرأة وهو حسن      وطريق البسط هنا أن يقال والوارثات من النساء عشرة الأم والجدة للأب والجدة للأم وإن علتا والبنت وبنت الابن وإن سفل والأخت الشقيقة والأخت للأب والأخت للأم والزوجة .     

 

 

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
26 juin 2007 2 26 /06 /juin /2007 20:49

imagesCA41H3E3.jpg

الأم ج: 4 ص: 90

   باب الوصية  بجزء من ماله قال الشافعي رحمه الله تعالى ولو قال لفلان نصيب من مالي أو جزء من مالي أو حظ من مالي كان هذا كله سواء ويقال للورثة أعطوه منه ما شئتم لأن كل شيء جزء ونصيب وحظ فإن قال الموصى له قد علم الورثة أنه أراد أكثر من هذا أحلف الورثة ما تعلمه أراد أكثر مما أعطاه ونعطيه وهكذا لو قال أعطوه جزءا قليلا من مالي أو حظا أو نصيبا ولو قال مكان قليل كثيرا ما عرفت للكثير حدا وذلك أني لو ذهبت إلى أن أقول الكثير كل ما كان له حكم وجدت قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ثم ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فكان مثقال ذرة قليلا وقد جعل الله تعالى لها حكما يرى في الخير والشر ورأيت قليل مال الآدميين وكثيره سواء يقضي بأدائه على من أخذه غصبا أو تعديا أو استهلكه قال الشافعي ووجدت ربع دينار قليلا وقد يقطع فيه قال الشافعي ووجدت مائتي درهم قليلا وفيها زكاة وذلك قد يكون قليلا فكل ما وقع عليه اسم قليل وقع عليه اسم كثير فلما لم يكن للكثير حد يعرف وكان اسم الكثير يقع على القليل كان ذلك إلى الورثة وكذلك لو كان حيا فأقر لرجل بقليل ماله أو كثيره كان ذلك إليه فمتى لم يسم شيئا ولم يحدده فذلك إلى الورثة لأني لا أعطيه بالشك ولا أعطيه إلا باليقين      باب الوصية  بشيء مسمى بغير عينه قال الشافعي رحمه الله تعالى ولو أوصى لرجل فقال أعطوه عبدا من رقيقي أعطوه اي عبد شاءوا وكذلك لو قال أعطوه شاة من غنمي أو بعيرا من إبلي أو حمارا من حميري أو بغلا من بغالي أعطاه الورثة أي ذلك شاءوا مما سماه كما لو أوصى له بمائة دينار فهلك من ماله مائة دينار لم يكن عليه أن يحسب عليه ما حمل ذلك الثلث وذلك أنه جعل المشيئة فيما يقطع به إليهم فلا يبرءون حتى يعطوه إلا أن يهلك ذلك كله فيكون كهلاك عبد أوصى له به بعينه وإن لم يبق إلا واحدا مما أوصى له به من دواب فهو له وإن هلك كله بطلت الوصية   .

التنبيه ج: 1 ص: 139

  باب الوصية     من جاز تصرفه في ماله ومن لا يجوز تصرفه كالمعتوه والمبرسم لا وفي الصبي المميز والمبذر قولان ولا تصح الوصية إلا إلى حر عاقل عدل فإن وصى إليه وهو فصار ثم الموت على جاز وقيل لا يجوز وان وصى الى اعمى فقد قيل تصح وقيل لا تصح ويجوز أن يوصي إلى نفسين فإن أشرك بينهما في النظر لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف وإن وصى إليه في شيء لم يصر وصيا في غيره وللوصي أن يوكل فيما لايتولى مثله بنفسه وليس له أن يوصي فإن جعل اليه ان يوصي ففيه قولان وإن وصى الى رجل ثم بعده إلى آخر جاز ولا تتم الوصية إليه إلا بالقبول وله ان يقبل في الحال وله أن يقبل في الثاني وللموصي أن يعزله متى شاء وللوصي أن يعزل نفسه متى شاء ولا يجوز الوصية الا في معروف من قضاء دين وأداء حج والنظر في أمر الصغار وتفرقة الثلث وما أشبه ذلك فإن وصى بمعية كبناء كنيسة أو كتب التوراة أو بما لا قربة فيه كالبيع محاباة لم تصح وإن وصى لوارث ثم الموت لم تصح الوصية في أحد القولين وتصح في الأخر ويقف على الإجازة وهو الاصح وإن وصى للقاتل بطلت الوصية في أحد القولين وصحت في الأخر وهو الأصح وإن وصى لحربي فقد قيل تصح وقيل لا تصح وإن وصى لقبيلة كثيرة أو لمواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فعلى ما ذكرناه في الوقف وان وصى لما تحمل هذه المرأة فقد قيل تصح وقيل لا تصح ويستحق الوصية بالموت ان كانت لغير معين وإن كانت لمعين ففيه أقوال أحدها يملكه بالموت والثاني بالموت والقبرل والثالث وهو الأصح أنه موقوف فإن قبل حكم له بالملك من حين الموت وإن رد حكم بانها ملك الوارث وإن لم يقبل ولم يرد وطالب الورثة خيره الحاكم بين القبول والرد فإن لم يفعل حكم عليه بالإبطال وإن قبل الوصية فأتى ثم رد لم يصح الرد وإن رد بعد القبول وقبل القبض فقد قيل يبطل وقيل لا يبطل والأول أصح وإن مات الموصي له قبل الموصي بطلت الوصية وإن مات بعد موته قام وارثه مقامه في القبول والرد وتجوز الوصية بثلث المال وإن كان ورثته أغنياء استحب ان يستوفي الثلث وإن كانوا فقراء إستحب أن لا يستوفي في الثلث فإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له بطلت الوصية فيما زاد على الثلث وإن كان له وارث ففيه قولان أحدهما تبطل الوصية والثانى تصح وتقف على إجازة الوارث فإن أجاز صح وإن رد بطل ولا يصح الرد والإجازة الا بعد الموت فإن أجاز ثم قال أجزت لأني ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعلم وان قال ظننت ان المال قليلوقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه انه لم يعلم وإن قال ظننت أن المال كثير وقد بان خلافه ففيه قولان أحدهما يقبل والثانى لايقبل وماوصى به من التبرعات يعتبر من الثلث سواء وصي به في الصحة أو المرض وما وصي به من الواجبات إن قيد بالثلث اعتبر من الثلث وإن أطلق فالأظهر أنه لا يعتبر من الثلث وقيل يعتبر وقيل إن كان قد قرن بما يعتبر من الثلث وإن لم يقرن بذلك لم يعتبر وما تبرع به في حياته كالهبة والعتق والوقف والمحاباة والكتابة وصدقات التطوع إن كان قد فعله في الصحة لم يعتبر من الثلث وإن كان فعله في مرض مخوف كالبرسام والرعاف ا لدائم والزخير المتواتر وطلق الحامل وما أشبه ذلك واتصل بالموت أعتبر من الثلث وإن فعله في حال التحام الحرب أو تموج البحر أو التقديم للقتل ففيه قولان أحدهما يعتبر من الثلث والثاني لا يعتبر وإن وصى بخدمة عبد اعتبرت قيمته من الثلث على المنصوص وقيل يعتبر المنفعة من الثلث فإذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة في حال المرض بديء بالأول فالأول فإن وقعت دفعة واحدة أو وصى وصايا متفرقة أو دفعة واحدة فإن لم يكن عتقا ولا معها عتق قسم الثلث بين الجميع وإن كان فيها عتق وغير عتق ففيه قولان أحدهما يقدم العتق والثانى يسوي بين الكل فإن كان الجميع عتقا ولم تجز الورثة جزؤا ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فيكتب ثلاث رقاع في كل رقعة اسم ويترك في ثلاث بنادق طين متساوية وتوضع في جحر رجل لم يحضر ذلك ويؤمر بإخراج واحد منها على الحرية فيعتق من خرج اسمه ويرق الباقون وإن كان له مال حاضر ومال غائب أو عين ودين دفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين وإلى الورثة من ذلك ثلثاه وكلما نض من الدين شيء أو حضر من العائب بشيء قسم بين الورثة وبين الموصى له وإن وصى بثلث عبد فاستحق ثلثاه فإن احتمل ثلث المال الباقي نفذت الوصية وإن لم يحتمل نفذت في القدر الذي يحتمل وقيل لا تصح الوصية إلا في ثلثه.

التنبيه ج: 1 ص: 136

باب الوقف     والوقف قربة مندوب اليه ولا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله ولايصح إلا في عين معينة فإن وقف شيئا في الذمة بأن قال وقفت فرسا أو عبدا لم يصح ولا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث فإن وقف مالا ينتفع به مع بقائه كالأثمان والطعام أو مالا ينتفع به على الدوام كالمشموم لم يجز ولا يجوز إلا على معروف وبر كالوقف على الأقارب والفقراء والقناطر وسبل الخير فإن وقف على قاطع الطريق أو على حربي أو مرتد لم يجز وإن وقف على ذمي جاز ولا يجوز أن يقف على نفسه ولا على مجهول معين ولا على من لا يملك الغلة كالعبد والحمل فإن وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز بطل في أحد القولين وصح في الآخر ويرجع إلى اقرب الناس الى الواقف وهل يختص به فقراءهم أو يشترك فيه الفقراء والاغنياء فيه قولان وقيل يختص به الفقراء قولا واحدا فإن وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فقد قيل يبطل قولا واحدا وقيل فيه قولان أحدهما يبطل والثاني يصح فإن كان ممن لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه كالمجهول صرف الغلة إلى من يصح وإن كان ممن يمكن اعتبار انقراضه كالعبد فقد قيل يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه وقيل لا يصرف إليه إلى أن ينقرض وقيل يكون لأقرباء الواقف الى ان ينقرض ثم يصرف الى من يجوز الوقف عليه وإن وقف على رجل بعينه ثم على الفقراء فرد الرجل بطل في حقه وفي حق الفقراء قولان فإن وقف وسكت عن السبل بطل في احد القولين ويصح في الآخر فيصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف ولا يصح الوقف إلا بالقول وألفاظه وقفت وحبست وسبلت وفي قوله حرمت وأبدت وجهان وإن قال تصدقت لم يصح الوقف حتى ينويه أو يقرن به ما يدل عليه كقوله أو مؤبدة أو صدمة لا تباع وما أشبهها وإذا صح الوقف لزم فإن شرط فيه الخيار أو شرط أن يبيعه متى شاء بطل ولا يجوزأن يعلق ابتداءه على شرط فإن علقه على شرط بطل وإن علق انتهاءه بأن قال وقفت هذا إلى سنة بطل في أحد القولين ويصح في الآخر ويصرف بعد السنة إلى اقرب الناس إلى الواقف وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب فقد قيل ينتقل الى الله تعالى وقيل إلى الموقوف عليه وقيل فيه قولان ويملك الموقوف عليه غلة الوقف ومنفعته وصوفه ولبنه فإن كان جارية لم يملك وطئها وفي التزويج أوجه أحدها لا يجوز بحال والثاني يجوز للموقوف عليه والثالث يجوز للحاكم فإن وطئت أخذ الموقوف عليه المهر وإن أتت بولد فقد قيل يملكه الموقوف عليه ملكا يملك التصرف فيه بالبيع وغيره وقيل هو وقف كالام وإن اتلف اشترى بقيمته ما يقوم مقامه وقيل إن قلنا انه للموقوف عليه فهي له وإن قلنا انه لله تعالى اشترى بها ما يقوم مقامه وإن جنى خطأ وقلنا هو له فالإرش عليه وإن قلنا لله تعالى فقد قيل في ملك الواقف وقيل في بيت المال وقيل في كسبه وينظر في الوقف من شرطه الواقف فإن شرط النظر لنفسه جاز وإن لم يشرط نظر فيه الموقوف عليه في أحد القولين والحاكم في القول الآخر ولا يتصرف الناظر فيه إلا على وجه النظر والاحتياط فإن احتاج إلى نفقة انفق عليه من حيث شرط الواقف فإن لم يشرط انفق عليه من الغلة ويصرف الباقي الى الموقوف عليه والمستحب أن لا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة انفسخت الإجارة وقيل لا تنفسخ ويصرف أجرة ما مضى الى البطن الأول وما بقي إلى البطن الثاني ويصرف الغلة على شرط الواقف والتقديم والتأخير والجمع والترتيب وإخراج من شاء بصفة واحدة وإدخاله بصفة فإن وقف على الفقراء جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم وإن وقف على قبيلة كثيرة بطل الوقف في احد القولين وصح في الآخر ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم وان وقف على مواليه له موال من أعلى وموال من أسفل فقد قيل يبطل وقيل يصح ويصرف إلى الموالي من أعلى وقيل يقسم بينهما وهو الأصح وان وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على الفقراء فمات زيد صرف الغلة إلى من بقي من أهل الوقف فإذا انقرضوا صرفت إلى الفقراء   باب الهبة     الهبة مندوب إليها وللأقارب أفضل ويستحب لمن وهب لأولاده أن يسوي بينهم ولا تصح إلا من جائز التصرف في محجور عليه ولا يجوز هبة المجهول ولا هبة مالا يقدر على تسليمه ومالا يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض ولا يجوز تعليقه على شرط مستقبل ولا بشرط ينافي مقتضاه فإن قال أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك صح وإن لم يذكر العقب صح أيضا وتكون له في حياته ولعقبه من بعد موته وقيل فيه قول آخر انه باطل وفيه قول آخر أنه يصح ويكون للمعمر في حياته فإذا مات رجع إلى المعمر أو إلى ورثته إن كان قد مات وإن قال جعلتها لك حياتك فإذا مت رجعت إلي بطل في احد الوجهين ويصح في الآخر ويرجع إليه بعد موته وإن قال أرقبتك هذه الدار فإن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك استقرت لك صح ويكون حكمه حكم العمري ولا يصح شيء من الهبات إلا بالإيجاب والقبول ولا يملك المال فيه إلا بالقبض ولا يصح القبض إلا فإن وهب منه شيئا في يده أو رهنه عنده لم يصح القبض حتى يأذن فيه ويمضي زمان يتأتى فيه القبض وقيل في الرهن لا يصح إلا بالإذن وفي الهبة يصح إذن وقيل فيهما قولان وإن قبل القبض قام الوارث مقامة إن شاء أقبض وإن شاء لم يقبض وقيل ينفسخ العقد وليس بشيء وان وهب الأب أو الأم أو أبوهما أوجدهما شيئا للولد وأقبضه إياه جاز له ان يرجع فيه وإن تصدق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع وقيل لا يرجع فإن زاد

على قبيلة كثيرة بطل الوقف في احد القولين وصح في الآخر ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم وان وقف على مواليه له موال من أعلى وموال من أسفل فقد قيل يبطل وقيل يصح ويصرف إلى الموالي من أعلى وقيل يقسم بينهما وهو الأصح وان وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على الفقراء فمات زيد صرف الغلة إلى من بقي من أهل الوقف فإذا انقرضوا صرفت الى الفقراء   باب الهبة     الهبة مندوب إليها وللأقارب أفضل ويستحب لمن وهب لأولاده أن يسوي بينهم ولا تصح إلا من جائز التصرف في محجورعليه ولا يجوز هبة المجهول ولا هبة مالا يقدر على تسليمه ومالا يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض ولا يجوز تعليقه على شرط مستقبل ولا بشرط ينافي مقتضاه فإن قال أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك صح وإن لم يذكر العقب صح أيضا وتكون له في حياته ولعقبه من بعد موته وقيل فيه قول آخر انه باطل وفيه قول آخر أنه يصح ويكون للمعمر في حياته فاذا مات رجع الى المعمر أو إلى ورثته إن كان قد مات وإن قال جعلتها لك حياتك فإذا مت رجعت إلي بطل في احد الوجهين ويصح في الآخر ويرجع اليه بعد موته وإن قال أرقبتك هذه الدار فإن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك استقرت لك صح ويكون حكمه حكم العمري ولا يصح شيء من الهبات إلأ بالإيجاب والقبول ولا يملك المال فيه إلا بالقبض ولا يصح القبض إلا فإن وهب منه شيئا في يده أو رهنه عنده لم يصح القبض حتى يأذن فيه ويمضي زمان يتأتى فيه القبض وقيل في الرهن لا يصح إلا بالإذن وفي الهبة يصح إذن وقيل فيهما قولان وإن قبل القبض قام الوارث مقامة إن شاء أقبض وإن شاء لم يقبض وقيل ينفسخ العقد وليس بشيء وان وهب الأب أو الأم أو أبوهما أوجدهما شيئا للولد وأقبضه إياه جاز له إن يرجع فيه وإن تصدق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع وقيل لا يرجع فإن زاد الموهوب زيادة مميزة كالولد والثمرة رجع فيه دون الزيادة وإن أفلس الموهوب له وحجر قيل يرجع وقيل لا يرجع وإن كاتب الموهوب أو رهنه لم يرجع فيه حتى تنفسخ الكتابة وينفك الرهن وإن باعه أو وهبه لم يرجع في الحال وقيل إن وهب ممن الرجوع في هبته جاز له أن يرجع عليه فإن عاد كالمبيع أو الموهوب فقد قيل لا يرجع وقيل يرجع وإن الجارية الموهوبة كان ذلك رجوعا وقيل لا يكون رجوعا ومن وهب شيئا ممن هو أعلى منه ففيه قولان أحدهما لا يلزمه الثواب والثاني يلزمه وفي قدر الثواب أقوال احدها يثيبه إلى إن يرضى والثاني يلزمه قدر الموهوب والثالث يلزمه ما يكون ثوابا لمثله في العادة فإن لم يثبه ثبت للواهب الرجوع وإن قلنا لا يلزمه الثواب فشرط ثوابا مجهولا بطل وإن شرط ثوابا معلوما ففيه قولان وإن قلنا يلزمه الثواب فشرط ثوابا مجهولا جاز وإن شرط ثوابا معلوما ففيه قولان أحدهما أنه يبطل ويكون حكمه حكم البيع الباطل والثاني انه يصح ويكون حكمه حكم البيع الصحيح. 

بداية المبتدي ج: 1 ص: 262

 ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منها قدمها الموصي أو أخرها مثل الحج والزكاة والكفارات فإن تساوت في القوة بدئ بما قدمه الموصى إذا ضاق عنها الثلث وما ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصي ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلا من بلده يحج راكبا فإن لم تبلغ الوصية النفقة أحجوا عنه من حيث تبلغ ومن خرج من بلده حاجا فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه يحج عنه من بلده     باب الوصية  للأقارب وغيرهم     ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون ثم أبي حنيفة رحمه هم الملاصقون

وغيرهم ممن يسكن محلة الموصي ويجمعهم مسجد المحلة ومن أوصى لأصهاره فالوصية لكل ذي رحم محرم من امرأته وكذا يدخل فيه كل ذي رحم محرم من زوجة أبيه وزوجة ابنه وزوجة كل ذي رحم محرم منه ولو مات الموصي والمرأة في نكاحه أو في عدته من طلاق رجعي فالصهر يستحق الوصية وإن كانت في عدته من طلاق بائن لا يستحقها ومن أوصى لأختانه فالوصية لزوج كل ذات رحم محرم منه وكذا محارم الأزواج ومن أوصى لأقاربه فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه ولا يدخل فيه الوالدان والولد ويكون ذلك للاثنين فصاعدا وهذا ثم أبي حنيفة رحمه الله وقال صاحباه الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام وإذا أوصى لأقاربه وله عمان وخالان فالوصية لعميه ولو ترك عما وخالين فللعم نصف الوصية والنصف للخالين ومن أوصى لأهل فلان فهي على زوجته ثم أبي حنيفة رحمه كل من يعولهم وتضمهم نفقته ولو أوصى لآل فلان فهو لأهل بيته ولو أوصى لأهل بيت فلان يدخل فيه أبوه وجده ومن أوصى لولد فلان فالوصية بينهم والذكر والأنثى فيه سواء ومن أوصى لورثة فلان فالوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين   باب الوصية بالسكنى والخدمة والثمرة 

موطأ مالك ج: 2 ص: 763

   باب الوصية  في الثلث لا تتعدى     1456 حدثني مالك عن بن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه انه قال ثم جاءني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأ تصدق بثلثي مالي قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لا فقلت فالشطر قال لا ثم قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  الثلث والثلث كثير انك إن تذر ورثتك أغنياء خير من إن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت حتى ما تجعل في في امرأتك قال فقلت يا رسول الله أأخلف بعد أصحابي فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  انك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله  صلى الله عليه وسلم ان مات بمكة قال يحيى سمعت مالكا يقول في الرجل يوصي بثلث ماله لرجل ويقول غلامي يخدم فلانا ما عاش ثم هو حر فينظر في ذلك فيوجد العبد ثلث مال الميت قال فإن رحمة العبد تقوم ثم يتحاصان يحاص الذي أوصي له بالثلث بثلثه ويحاص الذي أوصي له بخدمة العبد بما قوم له من رحمة العبد فيأخذ كل واحد منهما من رحمة العبد أو من إجارته إن كانت له إجارة بقدر حصته فإذا مات الذي جعلت له رحمة العبد ما عاش عتق العبد قال وسمعت مالكا يقول في الذي يوصي في ثلثه فيقول لفلان كذا وكذا ولفلان كذا وكذا يسمي مالا من ماله فيقول ورثته قد زاد على ثلثه فإن الورثة يخيرون بين إن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم ويأخذوا جميع مال الميت وبين إن يقسموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت فيسلموا إليهم ثلثه فتكون حقوقهم فيه إن أرادوا بالغا ما بلغ

المبدع ج: 4 ص: 204

   باب القرض     وهو من المرافق المندوب إليها     باب القرض        القرض مصدر قرض الشيء يقرضه بكسر الراء إذا قطعه والقرض اسم مصدر بمعنى الاقتراض وهو بفتح القاف وحكي كسرها وهو في اللغة القطع ومنه سمى المقرض وهو دفع المال إلى الغير لينتفع به ويرد بدله وهو نوع من المعاملات مستثنى عن قياس المعاوضات لمصلحة لاحظها الشارع رفقا بالمحاويج والأصل فيه قوله عليه السلام في حديث ابن مسعود ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة وروى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة رواه ابن ماجه والأول وأجمع المسلمون على جوازه وهو من المرافق واحده مرفق بفتح الميم مع كسر الفاء وفتحها وهو ما ارتفقت به وانتفعت المندوب إليها في حق المقرض لقوله عليه السلام من كشف عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة قال أبو الدرداء لأن أقرض دينارين ثم يردان ثم اقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما ولأن فيه تفريجا عن غيره وقضاء لحاجته فكان مندوبا.ويصح في كل عين يجوز بيعها إلا بني آدم والجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما إليه كالصدقة وليس بواجب قال أحمد لا إثم على من سأل فلم يعط لأنه من المعروف وهو مباح للمقترض وليس مكروها قال أحمد ليس القرض من المسألة أي لا يكره لفعله عليه السلام ولو كان مكروها كان أبعد الناس منه ومن أراد أن يستقرض فليعلم المقرض بحاله ولا يغره من نفسه إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله وقال أحمد إذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله لم يعجبني قال وما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه     تنبيه يشترط معرفة قدره ووصفه وأن يكون المقرض ممن يصح تبرعه كالبيع وحكمه في الإيجاب والقبول كما سبق ويصح بلفظه وبلفظ السلف لورود الشرع بهما وبكل لفظ يؤدي معناهما نحو ملكتك هذا على أن ترد بدله أو توجد قرينة تدل عليه وإلا فهو هبة فإن اختلفا فيه قبل قول الموهوب له لأن الظاهر معه ويصح في كل عين يجوز بيعها مكيلا كان أو موزونا أو غيرهما لأنه عليه السلام استسلف بكرا ولأن ما ثبت سلما يملك بالبيع ويضبط بالوصف فجاز قرضه كالمكيل ولأن المقصود يحصل به لكونه ينتفع به ويتمكن من بيعه فدل على أن ما لا يثبت فيه الذمة سلما كالحنطة المختلطة بالشعير لا يجوز وكقرض المنافع إلاالجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما أي لا يصح فيهما.

الأدلة الرضية ج: 1 ص: 218

 باب القرض     يجب إرجاع مثله و يجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا و لا يجوز أن يجر القرض نفعا لمقرض.

 

 

 

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
26 juin 2007 2 26 /06 /juin /2007 00:06

imagesCA7V7DI7.jpg
حاشية ابن عابدين ج: 4 ص: 503

 مطلب في بيع المكره والموقوف    وأورد عليه أنه يخرج بيع المكره مع أنه منعقد وأجاب في شرح النقاية بأن من ذكره أراد   تعريف البيع  النافذ ومن تركه أراد الأعم واعترضه في البحر بأن بيع المكره فاسد موقوف لا موقوف فقط كبيع الفضولي كما يفهم من كلام شارح النقاية      قلت لكن قدمنا أن الموقوف من قسم الصحيح ومقتضاه أن بيع المكره كذلك لكن صرحوا في كتاب الإكراهأنه يثبت به الملك ثم القبض للفساد فهو صريح في أنه فاسد وإن خالف بقية العقود الفاسدة في أربعة صور سيذكرها المصنف هناك وأفاد في المناروشرحه أنه ينعقد فاسدا لعدم الرضا الذي هو شرط النفاذ وأنه بالإجازة يصح ويزول الفساد وبه علم أن الموقوف على الإجازة صحته فصح كونه فاسدا موقوفا وظهر أن الموقوف منه فاسد كبيع المكره ومنه صحيح كبيع عبد أو صبي محجورين      وأمثلته كثيرة ستأتي في باب بيع الفضولي      والحاصل أن الموقوف مطلقا بيع حقيقة والفاسد بيع أيضا وإن توقف حكمه وهو الملك على القبض فلا يناسب ذكر التراضي في التعريف ولذا قال في الفتح إن التراضي ليس جزء مفهوم البيع الشرعي بل شرط ثبوت حكمه شرعا ا ه أي لأنه لو كان جزء مفهومه شرعا لزم أن يكون بيع المكره باطلا وليس كذلك بل هو فاسد كما علمت وأنت خبير بأن التعريف شامل للفاسد بسائر أنواعه كما ذكره في النهر لأنه بيع حقيقة وإن توقف حكمه على القبض فالتقييد بالتراضي لإخراج بعض الفاسد وهو بيع مرضي لأنه إذا كان المراد تعريف مطلق البيع جامع لخروج هذا منه وإن أريد   تعريف البيع  الصحيح فليس بمانع لدخول أكثر البياعات الفاسدة فيه      ثم اعلم أن الخمر مال كما قدمناه عن الكشف والتلويح وإن متقوم مع أن بيعه باطل في حق المسلم بخلاف البيع به فإنه فاسد ومر الفرق وأما ما في البحر عن المحيط من مال فالظاهر أنه أراد بالمال المتقوم توفيقا بين كلامهم وحينئذ فيرد على تعريف المصنف كالكنز فافهم      ويرد على تعريف المصنف فقط الإجارة والنكاح      قال ط فإن فيهما مبادلة مال مرغوب فيه بمرغوب فيه ولا يخرجان بقوله على وجه مخصوص لأن المراد به الإيجاب والقبول والتعاطي ا ه      إلا أن يجاب بأن المراد بالمرغوب فيه المال كما قررناه أو لا مال كما مر أو يقال إن المبادلة هي التمليك كما في النهر عن الدراية أي التمليك المطلق والمنفعة في الإجارة والنكاح مملوكة ملكا مقيدا فافهم قوله على وجه مفيد هذا مفيد إذ غايته أنه أخرج ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم اتحد وزنا وصفة وهو فاسد وقد علمت شمول التعريف لجميع أنواع الفاسد فلا فائدة في إخراج نوع منه كما قلناه في بيع المكره نعم لو كان بيع الدرهم بالدرهم باطلا فهو تقييد مفيد ولكن بطلانه بعيد لوجود المبادلة بالمال فتأمل      قوله أي بإيجاب أو تعاط بيان للوجه المخصوص وأراد الإيجاب ما يكون بالقول بدليل المقابلة فيشمل القبول وإلا لم يخرج التبرع من الجانبين على ما قاله ط فتأمل     قوله فخرج التبرع من الجانبين الخ قال المصنف في المنح ولما كان هذا يشمل مبادلة رجلين بمالهما بطريق التبرع أو الهبة

بشرط العوض فإنه ليس ببيع ابتداء وإن كان في حكمه بقاء أراد إخراج ذلك فقال على وجه مخصوص ا ه      قلت وهذا صريح في دخولهما تحت المبادلة على خلاف ما في النهر ووجهه أنه لو تبرع لرجل بشيء ثم الرجل عوض عليه بشيء آخر بلا شرط فهو تبرع من الجانبين مع المبادلة لكن من جانب الثاني وهذا يوجد كثيرا بين الزوجين يبعث إليها متاعا وتبعث له أيضا وهو في الحقيقة هبة حتى لو ادعى الزوج العارية رجع ولها أيضا الرجوع لأنها قصدت التعويض عن هبة فلما لم توجد الهبة بدعوى العارية لم يوجد التعويض عنها فلها الرجوع كما سيأتي في الهبة وكذا لو وهبه شيئا على أن يعوضه عنه شيئا معيبا فهو هبة ابتداء مع وجود المبادلة المشروطة فافهم      قوله استويا وزنا أما إذا لم يستويا فيه فالبيع فاسد لربا الفضل لا لعدم الفائدة وقوله وصفة خرج ما اختلفا فيها مع اتحاد الوزن ككون أحدهما كبيرا والآخر صغيرا أو أحدهما أسود والآخر أبيض      قلت والمسألة مذكورة في الفصل السادس من الذخيرة باع درهما كبيرا بدرهم صغير أو درهما جيدا بدرهم رديء جاز لأن لهما فيه غرضا صحيحا أما إذا كانا مستويين في القدر والصفة اختلفوا فيه      قال بعض المشايخ لا يجوز وإليه أشار محمد في الكتاب وبه كان يفتي الحاكم الإمام أبو أحمد ا ه      قوله ولا مقايضة أحد الشريكين أي المستويين والمتبادر بالشريكين أن الدار مشاعة بينهما أما لو كانت حصة كل منهما مفروزة عن الأخرى فالظاهر جواز المقايضة لأنه قد يكون رغبة كل منهما فيما في يد الآخر فهو بيع مفيد بخلاف المشاعة فافهم      قوله ولا إجارة السكنى بالسكنى لأن المنفعة معدومة فيكون بيع الجنس نسيئة وهو لا يجوز      ط عن حاشية الأشباه      قوله ويكون أي البيع منح والأظهر إرجاع الضمير إلى قوله على وجه مخصوص فهو بيان له وإلا كان تكرارا      تأمل      قوله وهما ركنه ظاهره أن الضمير للإيجاب والقبول ويحتمل إرجاعه للقول والفعل كما يفيده قول البحر      وفي البدائع ركنه المبادلة المذكورة وهو معنى ما في الفتح من أن ركنه الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من التعاطي فركنه الفعل الدال على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل ا ه      وأراد بالفعل أو لا ما يشمل فعل اللسان      وبالفعل ثانيا غيره وقوله الدال على الرضا إلى ذاته وإن كان ثم ما ينافي الرضا كإكراه وظاهر كلام المصنف أن الإيجاب البيع مع أن ركن الشيء عينه وإذا أرجعنا الضمير في قوله يكون إلى قوله على وجه الخصوص لا يرد ذلك وكذا إذا أريد بالبيع حكمه وهو الملك وها هنا أبحاث رائقة مذكورة في النهر      قوله وشرطه أهلية المتعاقدين أي بكونهما عاقلين ولا يشترط البلوغ والحرية        مطلب شرائط البيع أنواع أربعة    وذكر في البحر أن شرائط البيع أربعة أنواع شرط انعقاد ونفاذ وصحة ولزوم      فالأول أربعة أنواع في العاقد وفي نفس العقد وفي مكانه وفي المعقود عليه      فشرائط العاقد اثنان     العقل العدد فلا ينعقد بيع مجنون وصبي لا يعقل ولا وكيل من الجانبين إلا في الأب ووصيه والقاضي وشراء العبد نفسه من مولاه بأمره والرسول من الجانبين ولا يشترط فيه البلوغ ولا الحرية فيصح بيع الصبي

لنفسه موقوفا ولغيره نافذا ولا الإسلام والنطق والصحو      وشرط العقد اثنان أيضا موافقة الإيجاب للقبول فلو ما أوجبه أو بعضه أو بغير ما أوجبه أو ببعضه لم ينعقد إلا في الشفعة بأن باع عبدا وعقارا فطلب الشفيع العقار وحده وكونه بلفظ الماضي وشرط مكانه واحد وهو اتحاد المجلس      وشرط المعقود عليه ستة كونه موجودا مالا متقوما مملوكا في نفسه وكون الملك البائع فيما يبيعه لنفسه وكونه مقدور التسليم فلم ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم كالحمل واللبن في الضرع والثمر قبل ظهوره وهذا العبد فإذا هو جارية ولا بيع الحر والمدبر وأم الولد والمكاتب ومعتق البعض والميتة والدم ولا بيع الخمر والخنزير في حق مسلم وكسرة خبز لأن أدنى القيمة التي تشترط لجواز البيع فلس ولا بيع الكلأ ولو في أرض مملوكة له ظاهرا في نهر أو بئر والصيد والخطب والحشيش قبل الإحراز ولا بيع ما ليس مملوكا له وإن ملكه بعده إلا السلم والمغصوب لو باعه الغاصب ثم ضمن قيمته وبيع الفضولي فإنه منعقد موقوف وبيع الوكيل فإنه نافذ ولا بيع معجوز التسليم كالآبق والطير في الهواء والسمك في البحر بعد أن كان في يده فصارت شرائط الانعقاد أحد عشر      قلت صوابه تسعة      وأما الثاني وهو شرائط النفاذ فاثنان الملك أو الولاية وأن لا يكون في البيع حق لغير البائع فلم ينعقد بيع الفضولي عندنا أما شراؤه فنافذ      قلت أي لم ينعقد إذا باعه لأجل نفسه لا لأجل مالكه لكنه على الرواية الضعيفة      والصحيح انعقاده موقوفا كما سيأتي في بابه      والولاية إما بإنابة المالك كالوكالة والشارع كولاية الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم القاضي ثم وصيه ولا ينفذ بيع مرهون ومستأجر وللمشتري فسخه إن لم يعلم لا لمرتهن ومستأجر      وأما الثالث وهو شرائط الصحة فخمسة وعشرون منها عامة ومنها خاصة فالعامة لكل بيع شروط الانعقاد المارة لأن ما لا ينعقد لا يصح وعدم التوقيت ومعلومية المبيع ومعلومية الثمن بما يرفع المنازعة فلا يصح بيع شاة من هذا القطيع وبيع الشيء بقيمته أو بحكم فلان وخلوه عن شرط مفسد كما سيأتي في البيع الفاسد والرضا والفائدة ففسد بيع المكره وشراؤه وبيع ما لا فائدة فيه وشراؤه كما مر والخاصة معلومة الأجل في البيع المؤجل ثمنه والقبض في بيع المشتري المنقول وفي الدين ففسد بيع الدين قبل قبضه كالمسلم فيه ورأس المال وبيع شيء بدين البائع وكون البدل مسمى في المبادلة القولية فإن سكت عنه فسد وملك بالقبض والمماثلة بين البدلين في أموال الربا والخلو عن شبهة الربا ووجود شرائط السلم فيه والقبض في الصرف قبل الافتراق وعلم الثمن الأول في مرابحة وتولية وإشراك ووضيعة     وأما الرابع وهو شرائط اللزوم بعد الانعقاد والنفاذ فخلوه من الخيارات الأربعة المشهورة وباقي الخيارات الآتية في أول باب خيار الشرط فقد صارت جملة الشرائط ستة وسبعين ا ه ملخصا أي لأن شرائط الانعقاد أحد عشر على ما قاله أولا وشرائط النفاذ اثنان وشرائط الصحة خمسة وعشرون صارت ثمانية وثلاثين وهي كلها شرائط اللزوم مع زيادة الخلو من الخيارات لكن بذلك تصير الجملة سبعة وسبعين نعم تنقص ثمانية على ما قلنا من أن الصواب أن شرائط الانعقاد تسعة فيسقط منها اثنان ومن شرائط الصحة اثنان ومن شرائط اللزوم أربعة فتصير الجملة تسعة وستين      نعم يزاد في شروط المعقود عليه إذا لم يرياه الإشارة إليه أو إلى مكانه كما سيأتي في باب خيار الرؤية وسيأتي تمام الكلام عليه ثم قوله وشرط الصحة معرفة قدر مبيع وثمن      قوله ومحله المال فيه نظر لما مر من أن الخمر مال مع أن بيعه باطل في حق المسلم فكان عليه إبداله بالمتقوم وهو أخص من المال كما مر بيانه فيخرج ما ليس بمال أصلا كالميتة والدم وما كان متقوم كالخمر فإن محل للبيع      قوله وحكمه ثبوت الملك أي في البدلين لكل منهما في بدل وهذا حكمه الأصلي والتابع وجوب تسليم المبيع والثمن ووجوب استبراء الجارية على المشتري وملك الاستمتاع بها وثبوت الشفعة لو عقارا وعتق المبيع لو محرما من البائع بحر      وصوابه من المشتري      قوله وحكمته نظام بقاء المعاش والعالم حقه أن يقول بقاء نظام المعاش الخ فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على أتم نظام وأحكم أمر معاشه أحسن إحكام ولا يتم ذلك إلا بالبيع والشراء إذ لا يقدر أحد أن يعمل لنفسه كل ما يحتاجه لأنه إذا اشتغل بحرث الأرض وبذر القمح وخدمته وحراسته وحصده ودراسته وتذريته وتنظيفه وطحنه وعجنه لم يقدر على أن يشتغل بيده ما يحتاج ذلك من آلات الحراثة والحصد ونحوه فضلا عن اشتغاله فيما يحتاجه من ملبس ومسكن فاضطر إلى شراء ذلك ولولا الشراء لكان يأخذه بالقهر أو بالسؤال إن أمكن وإلا قاتل صاحبه عليه ولا يتم مع ذلك بقاء العالم      قوله مباح هو ما خلا عن أوصاف ما بعده      قوله مكروه كالبيع بعد النداء في الجمعة      قوله حرام كبيع خمر لمن يشربها      قوله واجب كبيع شيء لمن يضطر إليه      قوله والسنة فإنه عليه الصلاة والسلام باع واشترى وأقر أصحابه على ذلك أيضا      قوله والقياس عبارة البحر والمعقول ا ه ح لأنه أمر ضروري يجزم العقل بثبوته كباقي الأمور الضرورية المتوقف عليها انتظام معاشه وبقائه فافهم      قوله فالإيجاب الخ هذه الفاء الفصيحة وهي المفصحة عن شرط مقدر أي إذا أردت معرفة الإيجاب والقبول المذكورين وفي الفتح الإيجاب الإثبات لغة لأي شيء كان والمراد هنا إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أو لا سواء وقع من البائع أو من المشتري كأن يبتدىء المشتري فيقول اشتريت منك هذا بألف والقبول الفعل الثاني وإلا فكل منهما إيجاب أي إثبات فسمى الثاني بالقبول تمييزا له عن الإثبات الأول ولأنه يقع قبولا ورضا بفعل الأول ا ه      قوله والقبول في بعض النسخ فالقبول بالفاء فهو تفريع على تعريف الإيجاب ولذا قال المصنف لما ذكر أن الإيجاب ما ذكر أولا علم أن الإيجاب هو ما ذكر ثانيا من كلام أحدهما أفاده ط      قوله ما يذكر ثانيا من الآخر أي من العاقد الآخر والتعبير بيذكر لا يشمل الفعل وعرفه في الفتح بأنه الفعل الثاني كما مر وقال لأنه أعم من اللفظ فإن من الفروع ما لو قال كل هذا الطعام بدرهم فأكله تم البيع وأكله حلال والركوب واللبس بعد قول البائع أركبها بمائة وألبسه بكذا رضا بالبيع    مطلب القبول قد يكون بالفعل وليس من صور التعاطي    وكذا إذا قال بعتكه بألف فقبضه ولم يكن شيئا كان قبضه قبولا بخلاف بيع التعاطي فإنه ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن فقط ففي جعل الأخيرة من صور التعاطي كما فعل بعضهم نظر ا ه      وذكر في الخانية أن القبض يقوم مقام القبول وعليه فتعريف القبول بالقول لكونه الأصل      قوله الدال على التراضي الأولى أن يقول الرضا كما عبر به في الفتح والبحر لأن التراضي من الجانبين لا يدل عليه الإيجاب وحده بل هو مع القبول      أفاده ح      قوله قيد به اقتداء بالآية وهي قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء      قوله وبيانا للبيع الشرعي استظهر في الفتح أن التراضي لا بد منه في البيع اللغوي أيضا فإنه لا يفهم من باع زيد عبده لغة إلا أنه استبدله بالتراضي ا ه      ونقل مثله القهستاني عن إكراه الكفاية والكرماني وقال وعليه يدل كلام الراغب خلافا لشيخ الإسلام      قوله ولذا لم يلزم بيع المكره قدمنا أن بيع المكره فاسد موقوف على إجازة البائع وأن البيع المعرف يشمل سائر أنواع البيع الفاسد وأن قول الكنز البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي عير مرضي لأنه يخرج بيع المكره مع أنه داخل      وأجيب عنه بما ذكره الشارح بأنه قيد به اقتداء بالآية أي لا للاحتراز لكن قوله وبيانا للبيع الشرعي إن أراد به البيع المقابل اللغوي      يرد عليه ما علمته من اعتبار التراضي في البيع اللغوي وأنه لا يعتبر في البيع الشرعي إذ لو كان جزء مفهومه لزم أن يكون بيع المكره باطلا لا فاسدا بل التراضي شرط لثبوت حكمه شرعا وهو الملك كما قدمناه عن الفتح وإن أراد بالشرعي الخالي عن الفساد فالتقييد بالتراضي لا يخرج بقية البيوع الفاسدة بل التعريف شامل لها ثم لا يخفى أن هذا كله إنما يتأتى في عبارة الكنز حيث جعل فيها التراضي قيدا في التعريف      أما قول المصنف الدال على التراضي فلا لكونه ذكره صفة للإيجاب فهو بيان للواقع فإن الأصل فيه أن يكون دليلا على الرضا ولكن لا يلزم منه وجود الرضا حقيقة فلا يخرج به بيع المكره 

كفاية الطالب ج: 2 ص: 252

 والكراء بالمد ع فيما لا يعقل والإجارة فيمن يعقل والكراء هو بيع منافع معلومة بعوض معلوم أو ملك منافع معلوم بعوض معلومة كالبيع فيما يحل يعني من الأجل المعلوم والأجرة المعلومة و فيما يحرم يعني من جهل الأجل ونحوه واعترض قوله كالبيع إلىآخره بمسألة من اكتري دابة بعينها على أن يقبضها إلى أجل فإن ابن القاسم قال فيها إذا نقد الثمن لم يجز وإن لم ينقد جاز ويؤخذ الفرق والإجارة من قوله ومن كترى دابة بعينها مثل أن يقول له اكر لي هذه الدابة ويعينها بالإشارة إليها لأسافر عليها إلى بلد كذا مثلا فماتت أو غصبت أو استحقت فيما بقي وله بحساب ما سار من الطريق بقيمة أخرى ولا يلتفت الأول لأنه قد يرخص وقد يغلو ومن قوله وكذا الأجيرإجارة ثابتة في عينه مدة معلومة على رحمة بيت أو رعاية غنم يموت في أثناء المدة حكمه حكم الدابة المعينة تنفسخ الأجارة في باقي المدة وقيدنا بثابتة في عينه احترازا مما لو كانت مضمونة في ذمته فلا تنفسخ الإجارة بموته بل يؤاجر على تمام المدة من تركته و كذا الدار تنهدم كلها أو جلها أو ما فيه مضرة كبيرة أو أحرقت أو استحقت قبل تمام ظاهره سواء كانت المدة مشاهرة أو مساناة فإنها تنفسخ ويعطي بحساب ما سكن وقيدنا بكلها أو جلها احترازا مما لو انهدم منها لا يضر بالمكتري ولا ينقص من كرائها كالشرافات فإنه

كالعدم ولا قيام للمكتري به ولا بأس بتعليم المعلم على الحداق بكسر الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وهو أن يحدق المعلم القرآن أي يحفظه واستعمل لا بأس هنا كالمدونة للإباحة والمعنى أنه يجوز لمعلم القرآن أن يجاعل على حتى يتحدقوا وهذا هو المشهور لما صح من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى وأجمع أهل المدينة عليه فإن قيل كره مالك أخذ الأجرة على تعليم الفقه فما الفرق قيل الفرق أن القرآن حق لا محالة فجاز أخذ الأجرة عليه بخلاف مسائل الفقه فإنها مظعونة يجوز فيها الخلاف فكره أخذ الأجرة عليها لذلك وكذلك يكره أخذ الأجرة على تعليم النحو والأصول ونحوهما و كذلك لا بأس بمشارطة أي بمجاعلة الطيب على البرء حتى يبرأ وهي على أقسام ذكرناها في الأصل منها ما هو متفق على جوازه مثل أن يؤاجره على أن يداويه مدة معلومة بأجرة معلومة والأدوية من ثم العليل ومنها ما هو مختلف فيه مثل

أن يؤاجره مدة معلومة والأدوية من ثم الطبيب ولا ينتقض بمعنى لا ينفسخ بموت الراكب أو الساكن لأن عين المستأجر باقية وتكري الورثة من هو مثله أو دونه و كذلك لا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها     ك قال بعض أصحابنا ظاهر الرسالة أنه يأتي بمثلها وإن لم يشترط خلفها وهو قول سحنون وعن ابن القاسم أنه لا يلزمه أن يأتي بمثلها حتى يشترط وهو نص له في الجعل والإجارة من المدونة ومن كترى كراء مضمونا مثل أن يقول له اكر لي دابة لأحمل عليها كذا إلى موضع كذا فماتت الدابة فليأت بغيرها لأن المنافع مستحقة في الذمة وليست متعلقة بهذه العين وقوله وإن مات الراكب لم مكرر كرره ليرتب عليه قوله وليكتروا مكانه غيره يعني أن من اكترى دابة ونقد كراها ثم مات لم بل تكرى ورثته أو من يقوم مقامهم الدابة لمن هو مثله في القدر والحال ولا يكرونها لمن هو بادن أعظم ممن مات عنها     ج وإن مات عنها رجل فلا يكرونها إلا لرجل لأن الغالب أن المرأة أثقل على البهيمة لرخو عضوها وكذلك الميت ومن كترى ماعونا كالفأس أو غيره كالثوب والدابة ف إنه لا ضمان ع ليه في هلاكه بيده وهومصدق في تلفه على المشهور لأنه مؤتمن على ما استأجره إلا أن يتبين كذبه فلا يصدق ويضمن مثل أن يقول هلكت أول الشهر ثم ترى بعد ذلك عنده ومفهوم بيده أنه لو أخرجه عن يده فهلك في يد الغير يضمن والصناع الذين نصبوا أنفسهم للصنعة التي معاشهم منها كالخياطين ضامنون لما غابوا عليه أي ضامنون قيمته يوم القبض ولا أجرة لهم فيما عملوه في بيوتهم أو حوانيتهم عملوه بأجر أو بغير أجر وبهذا قضى الخلفاء الأربعة ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعا ولأن ذلك من المصلحة العامة لأنهم لو لم يضمنوا ويصدقوا فيمايدعون من التلف لسارعوا إلى أخذ أموال الناس واجترؤوا على أكلها ذكر أبو المعالي أن مالكا كثيرا ما يبني مذهبه على المصالح وقد قال إنه يقتل ثلث العامة لإصلاح الثلثين     المازري وما قاله أبو المعالي عن مالك صحيح وظاهر كلام الشيخ أنهم ضامنون ولو قامت بينة على هلاكه وهو كذلك ثم أشهب خلافا لابن القاسم وظاهره أيضا أنهم ضامنون ولو شرطوا عدم الضمان وهو كذلك ثم ابن القاسم خلافا لأشهب وظاهر قوله لما غابوا عليه أنهم لو عملوه في بيت رب السلعة أو كان ربها ملازما لهم لا ضمان عليهم وهو كذلك ولا ضمان على صاحب الحمام ج ظاهر كلامه أنه المكري لا حارس الثياب وما قاله صحيح إلا أن يفرط ابن عبد السلام ولا أعلم ذلك وقرر ع وق كلامه بعكس هذا ولفظ الأول صاحب الحمام حارس الثياب سواء كان يحرسها بأجرة أو بغير أجرة وهذا إذا سرقت أو تلفت بأمر من الله تعالى وأما إذا قال جاء رجل يطلبها فظننت أنه صاحبها فأعطيتها له فإنه يضمن وكذا إذا قال رأيت من أخذها فظننت أنه صاحبها وقال ابن المسيب يضمن صاحب الحمام وهي قولة ل مالك وبه قال أبو حنيفة والمشهور أنه لا يضمن اه      و كذا لا ضمان على إذا غرقت من مد أو علاج أو موج أو ريح يريد إلا فيما حمل من الطعام والإدام فإنه يضمن إلا أن تقوم بينة على هلاكه سببه أو يصحبه ربه فلا ضمان ولا كراء له أي إلا على البلاغ هذا هو المشهور لأن الإجارة في السفن جارية مجرى الجعل فإذا لم يحصل الغرض المطلوب لم يستحق الأجرة وقيل له من الأجرة بحساب ما سار      واستظهر لأن إلى الإجارة أولى من رده إلى الجعل لأن الغاية معلومة والأجرة معلومة فيكون له بحساب ما سار

شركة مضاربة وتسمى قراضا أيضا وعبر به فقال والقراض جائز بشروط أحدها أن يكون بالدنانير والدراهم ظاهره ولو كانا مغشوشين وهو كذلك وظاهره أيضا كان التعامل بهما بالعدد أو بالوزن وقد أرخص فيه أي في القراض بنقار بكسر النون بمعنى فجرات الذهب والفضة ج اختلف في القراض بالنقار على ثلاثة أقوال المنع والكراهة والجواز وكل هذا إذا كان لا يتعامل بها وأما إذا كان يتعامل بها فلا خلاف في جواز ذلك ولا يجوز القراض بالعروض ولا شيء من المكيلات والموزونات لأن القراض في الأصل غرر لأنه إجارة مجهولة إذا كان العامل لا يدري كم يربح في المال فيعمل مقدار الجزء المشترط له وكذلك رب المال لا يدري هل يربح أم لا وهل يرجع إليه رأس ماله أم لا فكان ذلك غررا من هذه الوجوه إلا أن الشارع جوزه للضرورة إليه ولحاجة الناس إلى التعامل به فيجب أن يجوز منه مقدار ما جوزه الشارع وما عداه ممنوع بالأصل والفرق بين النقار والعروض أن العروض لا يتعامل بأعيانها والنقار أعيان وأثمان ورؤوس أموال     و إذا امتنع القراض بها فإن العامل يكون إن نزل أي وقع القراض بها أجيرا في بيعها ويكون على قراض مثله في الثمن ظاهره مطلقا وفيه تفصيل لابن رشد نقلناه في الأصل والذي في المختصر أن له أجرة مثله في بيع العروض وأما عمله في القراض بعد ذلك فله قراض مثله من الربح إن كان ثم ربح وإلا فلا شيء له ثم بين أمور يستبد بها العامل دون رب المال بقوله وللعامل أي وجوبا كسوته وطعامه المراد به نفقته ذهابا وإيابا بشرطين أحدهما السفر ومن شروطه أن ينوي به تنمية المال أما إذا سافر لزيارة أهله أو لحج أو لغزو فلا نفقة له والآخر أن يكون المال له بالوإليهما أشار بقوله إذا سافر في المال الذي له بال ظاهره كان السفر قريبا أو بعيدا بالنسبة للطعام و أما الكسوة ف إنما يكتسى في السفر البعيد لا القريب إذا كان المال كثيرا لا قليلا وحد القريب مثل مسيرة عشرة أيام وحد المال الكثير خمسون دينارا ذهبا فأكثر ولا يقتسمان الربح حتى ينض رأس المال ظاهره ولو رضيا بذلك صورته أن يبيع بعض السلع ويبقى بعضها ويكون فيها رأس المال فيقول له نقتسم هذا الذي نض فهذا لا يجوز لأنه قد تهلك السلعة الباقية وهذا آخر الكلام على شركة المضاربة.

المبدع ج: 5 ص: 62

   باب الإجارة       وهي عقد على المنافع     باب الإجارة      هي مشتقة من الأجر وهو العوض ومنه سمي الثواب أجرا لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره على معصيته وهي ثابتة بالإجماع ولا عبرة بمخالفة عبد وسنده قوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق وقالت إحداهما يا أبت استأجره القصص الآية و قال لو شئت لتخذت عليه أجرا الكهف وعن عائشة في حديث الهجرة قالت وأستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية رواه البخاري وعن عتبة بن الندر قال كنا ثم النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ طسم حتى بلغ قصة موسى عليه السلام فقال إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه و طعام بطنه رواه ابن ماجه من رواية مسلمة بن علي وقد ضعفه جماعة والحاجة داعية إليها إذ كل أحد لا يقدر على عقار يسكنه ولا على حيوان يركبه ولا على صنعة يعملها وهم لا يبذلون ذلك مجانا فجوزت طلبا لتحصيل الرزق وحدها في الوجيز بأنها عوض معلوم في منفقعة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو في عمل معلوم ويرد عليه دخول الممر وعلو بيت ونحوه والمنافع المحرمة وما فتح عنوة ولم يقسم فيما فعله عمر رضي الله عنه     وهي عقد على المنافع في قول أكثر العلماء وذكر بعض أن المعقود عليه العين لأنها الموجودة والعقد يضاف إليها فتقول أجرتك داري ورد

المبدع ج: 5 ص: 63

بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما وفي لفظ البيع وجهان ولا تصح إلا بشروط ثلاثة أحدهما معرفة المنفعة إما بالعرف كسكنى الدار شهرا بان العقود عليه هو المستوفى بالعقد ذلك هو المنافع دون الأعيان إذ الأجر في مقابلة المنفعة بدليل أنه يضمن دون العين وإضافة العقد إلى العين لأنها محل المنفعة كما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة فتؤخذ المنافع شيئا فشيئا وانتفاعه تابع له وقد قيل هي خلاف القياس والأصح لا لأن من لا يخصص العلة لا يتصور عنده مخالفة قياس صحيح ومن خصصها فإنما يكون الشيء خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضى للحكم موجودا فيه وتخلف الحكم عنه وفي البلغة لها خمسة أركان الصيغة والأجرة والمتعاقدان والمنفعة      بلفظ الإجارة والكراء لأنهما موضوعان لها وما في معناها لحصول المقصود به إن أضافه إلى العين فإن أضافه إلىالمنفعة بأن قال أجرتك منفعة داري شهرا صح في الأصح وفي لفظ البيع وجهان كذا في الفروع به لأنها بيع فانعقدت بلفظه كالصرف والثاني لا لأن فيها معنى الموطأ فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى ولأنها تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة فافتقرت إلى لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة وبناه الشيخ تقي الدين على أن هذه المعاوضة نوع من البيع أو شبيه به وفي التلخيص مضافا إلى النفع كبعتك نفع هذه الدار شهرا وإلا لم يصح نحو بعتكها شهرا إلا من جائز التصرف كالبيع     ولا تصح إلا بشروط ثلاثة أحدها معرفة المنفعة أنها هي العقود عليها فاشترط العلم بها كالبيع إما بالعرف أي ما يتعارفه الناس بينهم كسكنى الدار شهرا لأنها لاتكرى إلا لذلك فلا يعمل فيها حدادة ولا

المحرر في الفقه ج: 1 ص: 355

 باب الإجارة      وهي عقد لازم لا تنفسخ بالموت وأنواعها ثلاثة     أحدها عقد على عمل في الذمة في محل معين أو موصوف كخياطة وقصارة فيشترط وصفه بما لا يختلف وللأجير فيه أن يستنيب إلا أن يشترط عليه مباشرته ومتى هرب أو مرض استؤجر عليه من يعمله فإن تعذر فللمستأجر الفسخ وإن تلف محل العمل المعين انفسخ العقد      الثاني إجارة عين موصوفة في الذمة فيعتبر لها صفات السلم ومتى سلمها فتلفت أو غصبت أو تعيبت وجب إبدالها فإن تعذر فللمستأجر الفسخ إلا إذا كانت إجارتها إلى مدة تنقضي فإنها تنفسخ      الثالث إجارة عين معينة فيشترط معرفتها بما تعرف به في البيع ومتى تعطل نفعها ابتداء انفسخ العقد وإن تعطل دواما انفسخ فيما بقي فإن تعيبت أو كانت معيبة فله الفسخ أو الإمساك بكل الأجرة ذكره ابن عقيل      وقياس المدهب أن له أن يمسك بالأرش فإن غصبت وكانت إجارتها لعمل معلوم خير بين الفسخ أو الصبر وإن كانت إلى مدة خير بين الإمضاء وأخذ الغاصب بأجرة المثل وبين الفسخ وإن غصبها مؤجرها بعض المدة أو كلها فلا شيء له نص عليه ويتخرج أن يكون كغصب غيره      الإجارة إلا على نفع مباح معلوم لغير ضرورة مقدور عليه يستوفى مع بقاء عينه كإجارة الدار لمن يسكنها أو يتخذها مسجدا أو الإنسان لحجامة أو اقتصاص أو إراقة خمر أو الكتاب للنظر أو النقد للوزن ونحوه      فأما النفع المحرم كالغناء والزمر وحمل الخمر للشرب أو المعجوز عنه كنفع الآبق والمغصوب أو المفنى للعين كشعل الشمع أو المتعذر منها كزرع الأرض السبخة فالعقد عليه باطل      ولا بد من تقدير النفع بعمل أو مدة فإن جمعهما فقال استأجرتك لخياطة هذا الثوب اليوم فعلى روايتين     ويجوز أن يؤجر المسلم نفسه من الذمي وعنه المنع في الخدمة خاصة ولا يجوز أن تؤجر المسلمة نفسها إلا بإذن زوجها

منار السبيل ج: 1 ص: 383

   باب الإجارة      وهي بيع المنافع جائزة بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقال تعالى قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين الآية وقال تعالى قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ولابن ماجه مرفوعا أن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني حجج أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وفيه ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يؤته أجرته وقال ابن المنذر اتفق على إجارتها كل من نحفظ قوله من علماء الأمة والحاجة داعية إليها لأن أكثر المنافع بالصنائع وتنعقد بلفظ الإجارة والكري وما في معناهما      شروطها ثلاثة معرفة المنفعة لأنها المعقود عليها فاشترط العلم بها كالبيع مثل يذكر طوله وعرضه وسكنى دار شهرا وخدمة آدمي سنة لأنها معلومة بالعرف فلا تحتاج لضبط قال الإمام أحمد أجير المشاهرة يشهد الأعياد والجمعة وإن لم يشترط قيل له يتطوع بالركعتين قال ما لم يضر بصاحبه وقال ابن المبارك يصلي الأجير ركعتين من السنة وقال ابن المنذر ليس له منعه منهما قاله في الشرح وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن إجارة المنازل والدواب جائزة     معرفة الأجرة قال في الشرح لا نعلم فيه خلافا ولأنه عوض في عقد معاوضة فاعتبر علمه كالثمن وعن أبي سعيد مرفوعا نهى عن استئجار الأجيرحتى يبين له أجره رواه أحمد      وكون النفع مباحا فلا تجوز على المنافع المحرمة كالغناء والزمر والنياحة ولا إجارة داره لتجعل كنيسة أو بيت نار أو يبيع فيها الخمر ونحوه لأنه محرم فلم تجز الإجارة لفعله كإجارة الأمة للزنا وكون النفع      يستوفى دون الأجزاء فلا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاؤه بالانتفاع به كالمطعوم والمشروب والشمع ليشعله والصابون ليغسل به لأن الإجارة عقد على المنافع فلا تجوز لاستيفاء العين ولا يصح إجارة ديك ليوقظه للصلاة نص عليه مقدور عليه      فتصح إجارة كل ما أمكن الإنتفاع به مع بقاء عينه كالدور والحوانيت والدواب      إذا قدرت منفعته ومعناه كركوب الدابة لمحل معين لانها منفعة مقصودة      أو قدرت بالأمد وإن طال حيث كان يغلب على الظن بقاء العين إلى إنقضاء مدة الإجارة هذا قول عامة أهل العلم قاله في الشرح لقوله تعالى على أن تأجرني ثماني حجج الآية

 

 

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
26 juin 2007 2 26 /06 /juin /2007 00:05

 imagesCA3LOHW2.jpg

تفسير الجلالين ج: 1 ص: 105

يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم   بينكم بالباطل   بالحرام في الشرع كالربا والغصب إلا لكن أن تكون تقع تجارة وفي قراءة بالنصب أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس فلكم أن تأكلوها ولا تقتلوا أنفسكم بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها أيا كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة إن الله كان بكم رحيما في منعه لكم من ذلك  

التبيان في تفسير غريب القرآن ج: 1 ص: 176

   أوفوا بالعقود   أي بالعهود في لغة بني حنيفة زه والعقد الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه وأصله الشد والوفاء إتمام العهد بفعل ما عقد عليه ويقال أوفي ووفي بمعنى وفى  المخفف

تفسير الواحدي ج: 1 ص: 193

يا أيها الذين آمنوا   إذا تداينتم بدين   إلى أجل مسمى أي تبايعتم بدين

بعضا الآية وليكتب بينكم بين المستدين والمدين كاتب بالعدل بالحق والإنصاف ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما ولا يأب كاتب أن يكتب أي لا يمتنع من ذلك إذا أمر وكانت هذه عزيمة من الله واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله ولا يضار كاتب ولا شهيد ثم قال كما علمه الله فليكتب أي كما فضله الله بالكتابة وليملل الذي عليه الحق أي الذي عليه الدين يملي لأنه المشهود عليه فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ولا يبخس منه شيئا أمر أن يقر بمبلغ المال من غير نقصان فإن كان الذي عليه الحق أي الدين سفيها طفلا أو ضعيفا عاجزا أحمق أو لا يستطيع أن يمل هو لخرس أو لعي فليملل وليه وارثه أو من يقوم مقامه بالعدل با لصدق والحق واستشهدوا وأشهدوا شهيدين من رجالكم أي من أهل ملتكم من الأحرار البالغين وقوله ممن ترضون من الشهداء أي من أهل الفضل والدين أن تضل إحداهما تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لتحمل الشهادة وأدائها ولا تسأموا أن تكتبوه لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحق صغيرا أو كبيرا إلى أجله إلى أجل الحق ذلكم أي الكتابة أقسط أعدل عند الله في حكمه وأقوم أبلغ في الاستقامة للشهادة لأن الكتاب يذكر الشهود فتكون شهادتهم أقوم وأدنى ألا ترتابوا أي أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل إلا أن تكون تقع تجارة حاضرة أي متجر فيه حاضر من العروض وغيرها مما يتقابض وهو معنى قوله تديرونها بينكم وذلك أن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد وذلك قوله فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم قد ذكرنا أن هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك ولا يضار كاتب ولا شهيد نهى الله تعالى الكاتب والشاهد عن الضرار وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرف وأن يشهد الشاهد بما لم يستشهد عليه أو يمتنع من إقامة الشهادة وإن تفعلوا شيئا من هذا فإنه فسوق بكم   283 وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا الآية أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرهن ليكون وثيقة بالأموال وذلك قوله فرهان مقبوضة أي فالوثيقة رهن مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا أي لم يخف خيانته وجحوده الحق فليؤد الذي أؤتمن أي أمن عليه أمانته وليتق الله ربه بأداء الأمانة ولا تكتموا الشهادة إذا دعيتم لإقامتها ومن يكتمها فإنه آثم فاجر قلبه

فتح القدير ج: 1 ص: 300

 إذا تداينتم بدين   والدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة فإن العين عند العرب ما كان حاضرا والدين ما كان غائبا قال الشاعر وعدتنا بدرهمينا طلاء وسواء معجلا غير دين  وقال الآخر إذا ما أوقدوا نارا وحطبا فذاك الموت نقدا غير دين    وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله إلى أجل مسمى وقد استدل به على أن الاجل المجهول لا يجوز وخصوصا أجل السلم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم وقد قال بذلك الجمهور واشترطوا توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين قالوا ولا يجوز إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك وجوزه مالك قوله فاكتبوه أي الدين بأجله لأنه أدفع للنزاع وأقطع للخلاف قوله وليكتب بينكم كاتب هو بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وظاهر الأمر الوجوب وبه قال عطاء والشعبي وغيرهما فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك ولم يوجد كاتب سواه وقيل الأمر للندب وقوله بالعدل متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم قوله ولا يأب كاتب النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم أي لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين كما علمه الله أي على الطريقة التي علمه الله من الكتابة أو كما علمه الله بقوله بالعدل قوله وليملل الذي عليه الحق الإملال والإملاء لغتان الأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى فهي تملى عليه بكرة وأصيلا والذي عليه الحق هو من عليه الدين أمره الله تعالى بالإملاء لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكتاب بالغ في ذلك بالجمع بين الإسم والوصف في قوله وليتق الله ربه ونهاه عن البخس وهو النقص وقيل إنه نهى للكاتب والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص ولو كان نهيا للكاتب لم يقتصر في نهيه على النقص لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص والسفيه هو الذي لا رأى له في حسن التصرف فلا يحسن الأخذ ولا الإعطاء شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى فمن الأول قول الشاعر نخاف أن تسفه أحلامنا ونجهل الدهر مع الجاهل  ومن الثاني قول ذي الرمة مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم    أي استضعفها واستلانها بحركتها وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله بالصرف أو لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه لا يجهل الصواب والضعيف هو الشيخ الكبير أو الصبي قال أهل اللغة الضعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي والذي لا يستطيع أن يمل هو الأخرس أو العيي الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي وقيل إن الضعيف هو المذهول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير قوله فليملل وليه بالعدل الضمير عائد إلى الذي عليه الحق فيمل عن السفيه وليه المنصوب عنه بعد حجره عن التصرف في ماله ويمل عن الصبي وصيه أو وليه وكذلك يمل عن العاجز الذي لا يستطيع الإملال لضعف وليه لأنه في حكم الصبي أو المنصوب عنه من الإمام أو القاضي ويمل عن الذي لا يستطيع وكيله إذا كان صحيح العقل وعرضت له آفة في لسانه أو لم تعرض ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير كما ينبغي وقال الطبري إن الضمير في قوله وليه يعود إلى الحق وهو ضعيف جدا قال القرطبي في تفسيره وتصرف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف انتهى قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم الاستشهاد طلب الشهادة وسماهما شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي باعتبار ما يئول إليه أمرهما من الشهادة و من رجالكم متعلق بقوله واستشهدوا أو بمحذوف هو صفة لشهيدين أي كائنين من رجالكم أي من المسلمين فيخرج الكفار ولا وجه لخروج العبيد من هذه الآية فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين وبه قال شريح وعثمان البتى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق وقال الشعبي والنخعي يصح في الشيء اليسير دون الكثير واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة والعبيد لا يملكون شيئا تجري فيه المعاملة ويجاب عن هذا بأن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضا العبد تصح منه المداينة وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب أو مندوب فقال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي الظاهري وابنه إنه واجب ورجحه ابن جرير الطبري وذهب الشعبي والحسن ومالك الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه مندوب وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع واستدل الموجبون بقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله واستشهدوا فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة قوله فإن لم يكونا أي الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يكفون وقوله لمن ترضون من الشهداء متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون ممن ترضون حال كونهم من الشهداء والمراد ممن ترضون دينهم وعدالتهم وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل إلا وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدعي فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي والحق أنه جائز لورود الدليل عليه وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز فيتعين قبولها وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشاهد واليمين ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هار هي قولهم إن الزيادة على النص نسخ وذه دعوى باطلة بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها وأيضا كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول المطلوب ولا بيمين الرد على الطالب وقد حكموا بهما والجواب الجوب قوله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى قال أبو عبيد معنى تضل تنسى والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء وقرأ حمزة إن تضل بكسر الهمزة وقوله فتذكر جوابه على هذه القراءة وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضل ومن رفعه فعلى الاستئناف وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فتذكر بتخفيف الذال والكاف ومعناه تزيدها ذكرا وقراءة الجماعة بالتشديد أي تنبيهها إذا غفلت ونسيت وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء أي فليشهد رجل وتشهد امرأتان عوضا عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما للاخرى إذا ضلت وعلى هذا فيكون في الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد فقيل وجهه أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته وأبهم الفاعل في تضل وتذكر لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها هذه وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين أي إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها المرأة الأخرى وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال والتذكير يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها وقال سفيان بن عيينة معنى قوله فتذكر إحداهما الأخرى تصيرها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع ولا لغة ولا عقل قوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل وقيل إذا ما دعوا لتحمل الشهادة وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم وحملها الحسن على المعنيين وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام قوله ولا تسأموا أن تكتبوه معنى تسأموا تملوا قال الأخفش يقال سئمت أسأم سآمة وسئاما ومنه قول الشاعر سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم    اي لا تملوا أن تكتبوه أي الدين الذي تداينتم به وقيل الحق وقيل الشاهد وقيل الكتاب نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا ثم بالغ في ذلك فقال صغيرا أو كبيرا أي حال كون ذلك المكتوب صغيرا أو كبيرا أي لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيرا أو قليلا وقيل إنه كنى بالسآمة عن الكسل والأول أولى وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير أي قليل لا احتياج إلى كتبه والإشارة في قوله ذلكم إلى المكتوب المذكور في ضمير قوله أن تكتبوه و أقسط معناه أعدل أي أصح وأحفظ وأقوم للشهادة أي أعون على إقامة الشهادة واثبت

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
24 juin 2007 7 24 /06 /juin /2007 17:05

 

imagesCAA0MDSE.jpg
التبيان في تفسير غريب القرآن ج: 1 ص: 409

مستخلفين فيه   مملكين فيه أي جعله في أيديكم خلفا له في ملكه.

تفسير القرطبي ج: 17 ص: 238

  قوله تعالى  آمنوا بالله ورسوله أي صدقوا أن الله واحد وأن محمدا رسوله وأنفقوا من وجوه الطاعات وما يقرب منه مما جعلكم   مستخلفين فيه   دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم وقال الحسن    مستخلفين فيه   بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير وهو الجنة.

تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 306

الآيات 577 11   أمر تبارك وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل والدوام والثبات على ذلك والاستمرار وحث على الإنفاق مما جعلكم   مستخلفين فيه   أي مما هو معكم على سبيل العارية فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم فأرشد تعالى إلى إرشاد ما ستخلفهم فيه من المال في طاعته فإن يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه وقوله تعالى مما جعلكم   مستخلفين فيه   فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك أو يعصي الله فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان.

تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 262

  وقوله مما جعلكم   مستخلفين فيه   تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره وليس له من ذلك الا ما أكل فأفنى أو تصدق فأمضى ويروى أن رجلا مر بأعرابي له إبل فقال له يا أعرابي لمن هذه الإبل قال هي لله عندي فهذا موفق مصيب أن صحب قوله عمله .

فتح القدير ج: 5 ص: 167

 آمنوا بالله ورسوله أي صدقوا بالتوحيد وبصحة الرسالة وهذا خطاب لكفار العرب ويجوز أن يكون خطابا للجميع ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه أو الازدياد منه ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله فقال وانفقوا مما جعلكم   مستخلفين فيه   أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة فإن المال مال الله والعباد خلفاء الله في أمواله فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه وقيل وجعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه وستنقل إلى غيركم ممن يرثكم فلا تبخلوا به كذا قال الحسن وغيره وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى غيرهم والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير وما يرضاه الله على العموم وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة ولا وجه لهذا التخصيص ثم ذكر سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير أي الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله وبين الإنفاق في سبيل الله لهم أجر كبير وهو الجنة .

تفسير النسفي ج: 4 ص: 215

جعلكم   مستخلفين فيه   يعني ان الاموال التي في ايديكم انما هي اموال الله بخلقه وانشائه لها وانما مولكم اياها للاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيا فليست هي بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب فانفقوا منها في حقوق الله تعالى وليهن عليكم الانفاق منها كما تهون على الرجل الانفاق من مال غيره اذا أذن له فيه أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم بتوريئه اياكم وسينقل منكم الى من بعدكم فاعتبرا بحالهم ولا تبخلوا به .

تفسير الثعالبي ج: 4 ص: 398

 يا أيها الانسان انك   كادح   الآية الكادح العامل بشدة واجتهاد والمعنى انك عامل خيرا او شرا وانت لا محالة ملاقيه اي فكن على حذر من هذه الحال واعمل صالحا تجده واما الضمير في ملاقيه فقال الجمهور هو عائد على الرب تعالى وقال بعضهم هو عائد على الكدح ت وهو ظاهر الآية والمعنى ملاق جزاءه.

تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1186

 يا أيها الإنسان إنك   كادح   إلى ربك كدحا عامل لربك عملا فملاقيه فملاق عملك والمعنى إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله .

تفسير القرطبي ج: 10 ص: 414

 المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف فأخبر تعالى أن ماكان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولايبقى كالهشيم حين ذرته الريح إنما يبقى ماكان من زاد القبر وعدد الآخرة وكان يقال  لاتعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك ويكفي في هذا قول الله تعالى  إنما   أموالكم وأولادكم   فتنة وقال تعالى  إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قوله تعالى  والباقيات الصالحات أي مايأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الطاعات خير عند ربك ثوابا أي أفضل وخير أملا أي أفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح وليس في زينة الدنيا خير ولكنه مخرج قوله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وقيل  خير في التحقيق مما يظنه الجهال أنه خير في ظنهم واختلف العلماء في الباقيات الصالحات فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة وعمرو ابن شرحبيل  هي الصلوات الخمس وعن ابن عباس أيضا  أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة وقاله ابن زيد ورجحه الطبري وهو الصحيح إن شاء الله لأن كل مابقي ثوابه جاز أن يقال له هذا وقال علي رضي الله عنه  الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون وحرث الآخرة الباقيات الصالحات وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام وقال الجمهور  هي الكلمات المأثورة فضلها  سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات  إنها قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .

تفسير القرطبي ج: 14 ص: 305

 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك وما نحن بمعذبين لأن من أحسن إليه فلا يعذبه فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم  قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء أي يوسعه ويقدر أي يقتر أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب فسعة الرزق في الدنيا لاتدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا   أموالكم وأولادكم   تغني عنكم غدا شيئا ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون ثم قال تأكيدا  وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى قال مجاهد  أي قربى والزلفة القربة وقال الأخفش  أي إزلافا وهو اسم المصدر فيكون موضع قربى نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا وزعم الفراء أن التي تكون للأموال والأولاد جميعا وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج يكون المعنى  وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد الفراء  نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف ويجوز في غير القرآن  باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين للأولاد خاصة أي لاتزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة ولا تقربكم تقريبا إلا من آمن وعمل صالحا قال سعيد بن جبير  المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول  اللهم ارزقني الإيمان والعمل وجنبني المال والولد فإني سمعت فيما أوحيت وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا قلت  قول طاوس فيه نظر والمعنى والله أعلم  جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا.

تفسير الواحدي ج: 2 ص: 1104

 انما   أموالكم وأولادكم   فتنة ابتلاء واختبار لكم فمن كسب الحرام لأجل الأولاد ومنع ماله عن الحقوق فهو مفتون بالمال والولد والله عنده أجر عظيم لمن صبر عن الحرام وأنفق المال في حقه.

فتح القدير ج: 2 ص: 301

قال واعلموا أنما   أموالكم وأولادكم   فتنة لأنهم سبب الوقوع فى كثير من الذنوب فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما فى الآية الأخرى وأن الله عنده أجر عظيم فآثروا حقه على   أموالكم وأولادكم   ليحصل لكم ما عنده من الأجر المذكور  

تفسير الجلالين ج: 1 ص: 231

واعلموا أنما   أموالكم وأولادكم   فتنة لكم صادة عن أمور الآخرة وأن الله عنده أجر عظيم فلا تفوتوه بمراعاة الأموال والأولاد والخيانة لأجلهم ونزل في توبته   29 يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله بالإنابة وغيرها يجعل لكم فرقانا بينكم وبين ما تخافون فتنجون ويكفر عنكم سيئآتكم ويغفر لكم ذنوبكم والله ذو الفضل العظيم.

تفسير الثعالبي ج: 2 ص: 384

قوله سبحانه   المال والبنون   زينة الحيوة الدنيا لفظه لفظ الخبر لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين لأنه في المثل قبل حقر أمر الدنيا وبينه فكأنه يقول   المال والبنون   زينة هذه الحياة الدنيا المحقرة فلا تبعوها نفوسكم والجمهور أن الباقيات الصالحات هي الكلمات المذكور فضلها في الأحاديث سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد جاء ذلك مصرحا به من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وهن الباقيات الصالحات   وقوله سبحانه خير عندك ربك ثوابا خير أملا أي صاحبها ينتظر الثواب وينبسط أمله فهو خير من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح.

تفسير الواحدي ج: 2 ص: 663

 المال والبنون   زينة الحياة الدنيا هذا رد على الرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والأبناء أخبر الله سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الحياة الدنيا ولا ينفع في الآخرة والباقيات الصالحات ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الصلوات والأذكار والأعمال الصالحة خير عند ربك ثوابا أفضل ثوابا وأفضل أملا من المال والبنين.

معاني القرآن ج: 1 ص: 366

حب الشهوات   من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة   قيل لما كانت معجبة كانت كأنها قد زينت   وقيل زينها الشيطان  والقناطير المقنطرة القنطار في كلام العرب الشيء الكثير مأخوذ من عقد الشيء واحكامه والقنطرة من ذلك ومقنطرة أي مكملة كما تقول الاف مؤلفة   ثم قال جل وعز والخيل المسمومة والانعام والحرث   الخيل المسمومة قال مجاهد الحسنة   وقال سعيد بن جبير الراعية   وقال ابو عبيدة والكسائي قد تكون مسموة المعلمة   قال ابو جعفر قول مجاهد حسن من قولهم رجل وسيم   وقول سعيد بن جبير لا يمتنع من قولهم سامت تسوم وأسمتها وسومتها أي رعيتها وقد تكون راعية حسانا معلمة لتعرف من غيرها وقال ابو زيد أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة او علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى   والانعام الابل والبقر والغنم والحرث الزرع   وقوله تعالى والله عنده حسن المآب أي المرجع   ثم قال عز وجل للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وازواج مطهرة

تفسير الثعالبي ج: 1 ص: 248

 حب الشهوات   الآية هذه الآية ابتداء وعظ لجميع الناس وفي ضمن ذلك توبيخ والشهوات ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة وقد قال صلى الله عليه وسلم حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره فحسبك أن النار حفت بها فمن واقعها خلص إلى النار قلت وقد جاءت احاديث كثيرة في التزهيد في الدنيا .

تفسير الواحدي ج: 1 ص: 201

زين للناس   حب الشهوات   جمع الشهوة وهي توقان النفس إلى الشيء والقناطير المقنطرة الأموال الكثيرة المجموعة والخيل المسومة الراعية وقيل المعلمة كالبلق وذوات الشيات وقيل الحسان والخيل الأفراس والأنعام الإبل والبقر والغنم والحرث وهو ما يزرع ويغرس ثم بين أن هذه الأشياء متاع الدنيا وهي فانية زائلة والله عنده حسن المآب المرجع ثم أعلم أن خيرا من ذلك كله ما أعده لأوليائه فقال   15 قل أؤنبئكم بخير من ذلكم الذي ذكرت للذين اتقوا الشرك جنات تجري.

فتح القدير ج: 1 ص: 323

وله زين للناس إلخ كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار والمزين قيل هو الله سبحانه وبه قال عمر كما حكاه عنه البخاري وغيره ويؤيد قوله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم وقيل المزين هو الشيطان وبه قال الحسن حكاه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه وقرأ الضحاك زين على البناء للفاعل وقرأه الجمهور على البناء للمفعول والمراد بالناس الجنس و الشهوات جمع شهوة وهي نزوع النفس إلى ما تريده والمراد هنا المشتهيات عبر عنا بالشهوات مبالغة في كونها مرغوبا فيها أو تحقيرا لها لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية ووجه تزيين الله سبحانه لها ابتلاء عبادة كا صرح به في الآية الأخرى وقوله من النساء والبنين في محل الحال أي زين للناس   حب الشهوات   حال كونها من النساء والبنين إلخ وبدأ بالنساء لكثرة تشوق النفوس وخص البنين دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن والقناطير جمع قنطار وهو اسم للكثير من المال قال الزجاج القنطار مأخوذ من عقد الشئ وإحكامه تقول العرب قنطرت الشئ إذا أحكمته ومنه سميت القنطرة لإحكامها وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف ستأتي إن شاء الله واختلفوا في معنى المقنطرة فقال ابن جرير الطبري معناها المضعفة وقال القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة وقال الفراء القناطير جمع القنطار والمقنطرة جمع الجمع فتكون تسع قناطير وقيل المقنطرة المضروبة وقيل المكملة كما يقال بدرة مبدرة وألوف مؤلفة وبه قال مكى وحكاه الهروي وقال ابن كيسان لا تكون المقنطرة أقل من سبع قناطير وقوله من الذهب والفضة بيان للقناطير أو حال والخيل المسومه قيل هي المرعية في المروج والمسارح يقال سامت الدابة والشاة إذا سرحت وقيل هي المعدة للجهاد وقيل هي الحسان وقيل المعلمة من السومة وهي العلامة أي التي يجعل عليها علامة لتتميز عن غيرها وقال ابن فارس في المجمل المسومة المرسلة وعليها ركبانها وقال ابن كيسان البلق والانعام هي الإبل والبقر والغنم فإذا قلت نعم فهي الإبل خاصة قاله الفراء وابن كيسان ومنه قوله حسان وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء  والحرث اسم لكل ما يحرث وهو مصدر سمى به المحروث يقول حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض فيقع على الارض والزرع قال ابن الأعرابي الحرث التفتيش قوله ذلك متاع الحياة الدنيا أي ذلك المذكور ما يتمتع به ثم يذهب ولا يبقي وفيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة والمآب المرجع آب يئوب إيابا إذا رجع ومنه قول امرئ القيس لقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب  قوله قل اؤنبئكم بخير من ذلكم أي هل أخبركم بما هو خير لكم من تلك المستلذات وإبهام الخير للتفخيم.بينه بقوله للذين اتقوا عند ربهم جنات وعند في محل نصب على الحال من جنات وهي مبتدأ وخبرها للذين اتقوا ويجوز أن تتعلق اللام بخير وجنات خبر مبتدأ مقدر أي هو جنات وخص المتقين لأنهم المنتفعون بذلك.

 

 

 

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
22 juin 2007 5 22 /06 /juin /2007 21:40

detail.jpg

تفسير القرطبي ج: 9 ص: 327

 قيل  إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج وعيرته بذلك وقالوا  مانرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله هذه الآية وذكرهم أمر داود وسليمان فقال  ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية أي جعلناهم بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا وإنما التخصيص في الوحي الثانية هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه وتنهى عن التبتل وهو ترك النكاح وهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذهالآية والسنة واردة بمعناها قال صلى الله عليه وسلم  تزوجوا فإني مكاثر بكمالأمم الحديث وقد تقدم في آل عمران وقال  من تزوج فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الثاني ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن   الزنى   والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الجنة فقال  من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة مابين لحييه ومابين رجليه خرجه الموطأ وغيره وفي صحيح البخاري عن أنس قال  جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا  وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم  قد غفر الله له ماتقدم من ذنبه وماتأخر فقال أحدهم  أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال الآخر  إني أصوم الدهر فلا أفطر وقال الآخر  أنا أعتزل النساء فلا أتزوج فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال  أنتم الذين قلتم كذ وكذا أما والله إني لأخشاكم للهوأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني خرجه مسلم بمعناه وهذا أبين وفي صحيح مسلم عن سعد بن وقاص قال  أراد عثمان أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا وقد تقدم في آل عمران الحض على طلب الولد والرد على من جهل ذلك وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول  إني لأتزوج المرأة ومالي فيها من حاجة وأطؤها وما أشتهيها قيل له  وما يحملك على ذلك ياأمير المؤمنين قال  حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين يوم القيامة وإني سمعته يقول  عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة يعني بقوله  أنتق أرحاما أقبل للولد ويقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق لأنها ترمي بالأولاد رميا وخرج داود عن معقل بن يسار قال  جاء رجل إلىر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال  إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وأنها لا تلد أفأتزوجها قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال  تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم .

فتح القدير ج: 3 ص: 223

ولا تقربوا   الزنى   وفى النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب والزنى فيه لغتان المد والقصر قال الشاعر كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم    ثم علل النهي عن الزنا بقوله إن كان فاحشة أى قبيحا متبالغا فى القبح مجاوزا للحد وساء سبيلا أى بئس طريقا طريقه وذلك لأنه يؤدي إلى النار ولا خلاف فى كونه من كبائر الذنوب وقد رود فى تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم.

تفسير الجلالين ج: 1 ص: 369

 ولا تقربوا   الزنى   أبلغ من لا تأتوه إنه كان فاحشة قبيحا وساء بئس سبيلا طريقا هو .

تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 39

 الآيات 1732 32   يقول تعالى ناهيا عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه ولا   تقربوا الزنا   إنه كان فاحشة أي ذنبا عظيما وساء سبيلا أي وبئس طريقا ومسلكا وقد قال الإمام أحمد 5356 حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حريز حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أئذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه فقال أدنه فدنا منه قريبا فقال جلس فجلس فقال أتحبه لأمك قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال أفتحبه لابنتك قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم قال أفتحبه لأختك قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال أفتحبه لعمتك قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لعماتهم قال أفتحبه لخالتك قال لا والله جعلني الله فداك قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال فوضع يده عليه وقال اللهم أغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه قال فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء وقال ابن أبي الدنيا حدثنا عمار بن نصر حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له. 

تفسير النسفي ج: 2 ص: 285

ولا   تقربوا الزنا   القصر فيه أكثر والمدلغة وقد قرىء به وهو نهى عن دواعى الزنا كالمس والقبلة ونحوهما ولو أريد النهى عن نفس الزنا لقال ولا تزنوا إنه كان فاحشة معصية مجاوزة حد الشرع والعقل وساء سبيلا وبئس طريقا طريقه .

 

عون المعبود ج: 6 ص: 30

الذين خاطبهم أولا بقوله من استطاع منكم وقد استحسنه القرطبي والحافظ      والإ رشاد إلى الصوم لما فيه من الجوع والامتناع عن مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها فإنه أي الصوم له أي لمن قدر على الجماع ولم يقدر على التزويج لفقره وجاء بكسر الواو والمد هو رض الخصيتين والمراد ههنا أن الصوم يقطع الشهوة ويقطع شر المني كما يقلعه الوجاء      قال النووي في هذا الحديث الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه      وهذا مجمع عليه لكنه عندنا وعند العلماء كافة أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا      هذا مذهب العلماء كافة ولا يعلم أحد أوجبه إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر      ورواية عن أحمد فإنهم قالوا يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشترط بعضهم خوف العنت      قال أهل الظاهر إنما يلزمه التزويج فقط ولا يلزمه الوطء وتعلقوا بظاهر الأمر في هذا الحديث مع غيره من الأحاديث مع القرآن      قال الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وغيرها من الآيات      واحتج الجمهور بقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء إلى قوله تعالى أو ما ملكت إيمانكم فخير سبحانه وتعالى بين النكاح والتسري      قال الإمام المازري هذا حجة للجمهور لأنه سبحانه وتعالى خيره بين النكاح والتسري بالاتفاق ولو كان النكاح واجبا لما خيره بين النكاح وبين التسري لأنه يصح ثم الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثما انتهى      قال المنذري وأخرجه .

 

عون المعبود ج: 13 ص: 123

   عن شبيل بالتصغير بن عزرة بفتح العين المهملة بعدها زاي ساكنة ثم راء قال مثل الجليس الصالح فذكره نحوه والحديث سكت عنه المنذري      لا تصاحب إلا مومنا أي كاملا أو المراد النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين ولا يأكل طعامك إلا تقي أي متورع      والأكل وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقيا      قال الخطابي إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة وذلك أن الله سبحانه قال ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ومعلوم أن أسراءهم كانوا مؤمنين ولا أتقياء وإنما حذر عليه السلام من البغوي من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب      قال المنذري وأخرجه الترمذي وقال إنما نعرفه من هذا الوجه      الرجل يعني الإنسان   على دين خليله  أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته فلينظر أي يتأمل ويتدبر من يخالل فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة . 

تحفة الأحوذي ج: 7 ص: 42

قوله الرجل يعني الإنسان   على دين خليله  أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته فلينظر أي فليتأمل وليتدبر من يخالل من المخالة وهي المصادقة والإخاء فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة والصحبة مؤثرة في إصلاح الحال وإفساده      قال الغزالي مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص ومجالسة لصاحب ومخاللته تزهد في الدنيا لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بل الطبع من حيث لا يدري.  

فيض القدير ج: 4 ص: 52

الرجل   على دين خليله  أي صاحبه فلينظر أحدكم من يخال أي فليتأمل أحدكم بعين بصيرته إلى امرى ء يريد صداقته فمن رضي دينه وخلقه صادقه وإلا تجنبه      د ت عن أبي هريرة وحسنه المؤلف فرمز لحسنه وهو أعلى من ذلك فقد قال النووي في رياضه إسناده صحيح.

تفسير الجلالين ج: 1 ص: 462

30 قل للمؤمنين   يغضوا من أبصارهم   عما لا يحل لهم نظره ومن زائدة ويحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم فعله بها ذلك أزكى أي خير لهم إن الله خبير بما يصنعون بالإبصار والفروج فيجازيهم عليه   31 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن عما لا يحل لهن نظره ويحفظن فروجهن عما لا يحل لهن فعله بها ولا يبدين يظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة ورجح حسما للباب وليضربن بخمرهن علىجيوبهن أي سترن الرءوس والأعناق والصدور بالمقانع ولا يبدين زينتهن الخفية وهي ما عدا الوجه والكفين إلا لبعولتهن جمع بعل أي زوج أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أونسائهن أو ما ملكت أيمانهن فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد أو التابعين في فضول الطعام غير بالجر صفة والنصب استثناء أولى الإربة أصحاب الحاجة إلى النساء من الرجال بأن لم ينتشر ذكر كل أو الطفل بمعنى الأطفال الذين لم يظهروا يطلعوا على عورات النساء للجماع فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن من خلخال يتقعقع وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره لعلكم تفلحون تنجون.

 

 

 

 

Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
20 juin 2007 3 20 /06 /juin /2007 23:53

krs-115635-5810s.jpg

 
بـيان شواهد النقل من أرباب البصائر وشواهد الشرع على أن الطريق في معالجة أمراض القلب ترك الشهوات وأن مادة أمراضها هي اتباع الشهوات:
اعلم أن ما ذكرناه إن تأملته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك وانكشفت لك علل القلوب وأمراضها وأدويتها بنور العلم واليقين، فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق والإيمان على سبـيل التلقي والتقليد لمن يستحق التقليد، فإن للإيمان درجة كما أن للعلم درجة، والعلم يحصل بعد الإيمان وهو وراءه قال الله تعالى: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ} فمن صدّق بأن مخالفة الشهوات هي الطريق إلى الله عز وجل ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا، وإذا اطلع على ما ذكرناه من أعوان الشهوات فهو من الذين أوتوا العلم وكلّاً وعد الله الحسنى.
والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصر. قال الله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فإنَّ الجَنَّة هيَ المَأْوَى} وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ للتَّقْوَى} قيل نزع منها محبة الشهوات. وقال : «المُؤْمِنُ بَـيْنَ خَمْسِ شَدائِد: مُؤْمِنٌ يَحْسُدُهُ وَمُنَافِقٌ يَبْغُضُهُ وَكَافِرٌ يُقَاتِلُهُ وَشَيْطَانٌ يُضَلُّهُ وَنَفْسٌ تُنَازِعُهُ» ، فبـين أن النفس عدوّ منازع يجب عليه مجاهدتها.
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود حذر وانذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة. وقال عيسى عليه السلام: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره، وقال نبـينا لقوم قدموا من الجهاد: «مَرْحَباً بِكُمْ قَدِمْتُمْ مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» قيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جِهَادُ النَّفْسِ» ، وقال : «المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ» ،
وقال : «كُفَّ أَذَاكَ عَنْ نَفْسِكَ وَلا تُتَابِعْ هَوَاها فِي مَعْصِيةِ الله تَعَالَى إذَنْ تُخَاصِمُكَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَلْعَنُ بَعْضُكَ بَعْضاً إلاَّ أَنْ يَغْفِرَ الله تَعَالَى وَيَسْتُرَ» ، وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نفسي مرةلي ومرة عليَّ، وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه: يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين كأني بك بـين الجنة والنار تحبسين، يا نفس ألا تستحين وقال الحسن: ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك.
وقال يحيـى بن معاذ الرازي: جاهد نفسك بأسياف الرياضة. والرياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى، البلوغ إلى الغايات وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت عليها سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام، وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام، فتأمن من بوائقها من بـين سائر الأنام وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها؛ فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية فتجول في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان. وقال أيضاً: أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه وشيطانه ونفسه، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات.
قال بعض الحكماء: من استولت عليه النفس صار أسيراً في حب شهواتها؛ محصوراً في سجن هواها، مقهوراً مغلولاً زمامه في يدها تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من الفوائد. وقال جعفر بن حميد: أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم. وقال أبو يحيـى الوراق: من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجر الندامات. وقال وهيب بن الورد: ما زاد على الخبز فهو شهوة. وقال أيضاً: من أحب شهوات الدنيا فليتهيأ للذل.
ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام ــــ بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابـية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفاً من عظماء مملكته ــــ سبحان من جعل الملوك عبـيداً بالمعصية وجعل العبـيد ملوكاً بطاعتهم له.
إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبـيداً وذلك جزاء المفسدين، وإن الصبر والتقوى صيرا العبـيد ملوكاً... فقال يوسف: كما أخبر الله تعالى عنه: {إنَّه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فإنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنينَ} .
وقال الجنيد: أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلمأجد الحلاوة التي كنت أجدها، فأردت أن أنام فلم أقدر، فجلست فلم أطق الجلوس، فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق، فلما أحس بـي قال: يا أبا القاسم إلى الساعة، فقلت: يا سيدي من غير موعد؟ فقال: بلى سألت الله عز وجل أن يحرك لي قلبك، فقلت: قد فعل فما حاجتك؟ قال: فمتى يصير داء النفس دواءها؟ فقلت: إذا خالفت النفس هواها؛ فأقبل على نفسه فقال: اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات فأبـيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ها قد سمعتيه، ثم انصرف وما عرفته. وقال يزيد الرقاشي: إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا أحرمه في الآخرة. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت الصمت، قال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام. وقال علي رضي الله عنه: من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا. وكان مالك بن دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه: اصبري فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك عليَّ.
فإذن قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات، فالإيمان بهذا واجب. وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك فلايدرك إلا بما قدمناه. وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة، فيكون مقتصراً من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة، فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه، فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من لا حظ له في الآخرة بحال، ولا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولاً بمعرفة الله وحبه والتفكر فيه والانقطاع إليه، ولا قوّة على ذلك إلا بالله، ويقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر والفكر فقط. فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه والناس فيه أربعة:
الأول: رجل مستغرق قلبه بذكر الله فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة فهو من الصديقين. ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة والصبر عن الشهوات مدة مديدة.
الثاني:
رجل استغرقت الدنيا قلبه ولم يبق لله تعالى ذكر في قلبه إلا من حيث حديث النفس، حيث يذكره باللسان لا بالقلب فهذا من الهالكين.
والثالث: رجل اشتغل بالدنيا والدين، ولكن الغالب على قلبه هو الدين فهذا لا بد له من ورود النار إلا أنه ينجو منها سريعاً بقدر غلبة ذكرالله تعالى على قلبه.
والرابع: رجل اشتغل بهما جميعاً، ولكن الدنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في النار لكن يخرج منها لا محالة لقوة ذكر الله تعالى في قلبه وتمكنه من صميم فؤاده، وإن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه. اللهم إنا نعوذ بك من خزيك فإنك أنت المعاذ.
وربما يقول القائل إن التنعم بالمباح مباح، فكيف يكون التنعم سبب البعد من الله عز وجل؟ وهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة وسبب إحباط كل حسنة. والمباح الخارج عن قدر الحاجة أيضاً من الدنيا وهو سبب البعد ــــ وسيأتي ذلك في كتاب ذم الدنيا ــــ وقد قال إبراهيم الخواص: كنت مرة في جبل اللكام فرأيت رماناً فاشتهيته فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها، فرأيت رجلاً مطروحاً وقد اجتمعت عليه الزنابـير فقلت: السلام عليك، فقال: وعليك السلام يا إبراهيم، فقلت: كيف عرفتني؟ فقال: من عرف الله عز وجل لم يخف عليه شيء، فقلت: أرى لك حالاً مع الله عز وجل فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابـير؟ فقال: وأرى لك حالاً مع الله تعالى فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابـير يجد ألمه في الدنيا، فتركته ومضيت. وقال السري: أنا منذ أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزة في دبس فما أطعتها.
فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح، فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات، فمن أراد حفظ لسانه من الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت؛إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين، حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة. ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلا ما لا يحل، وكذلك سائر الشهوات، لأن الذي يشتهي به الحلال هو بعينه الذييشتهي الحرام، فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعوّدها الاقتصار على قدر الضرورة من الشهوات غلبته. فهذه إحدى آفات المباحات ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه، وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن إليها أشراً وبطراً حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره.
وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة، وهذا هو موت القلب. قال الله تعالى: {وَرَضُوا بالحَياةِ الدُّنْيَا واطْمَأنُّوا بِهَا} وقال تعالى: {وَمَا الحَياةُ الدُّنيا في الآخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ} وقال تعالى: {اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلْهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَـيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأمْوالِ والأولاَدِ} الآية. وكل ذلك ذم لها فنسأل الله السلامة.
فأولو الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة الدنيا فوجدوها قاسية نفرة بعيدة التأثر عن ذكر الله واليوم الآخر، وجربوها في حالة الحزن فوجدوها لينة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر. فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم والتباعد من أسباب الفرح والبطر، ففطموها عن ملاذها وعوّدوها الصبر عن شهواتها ــــ حلالها وحرامها ــــ وعلموا أنحلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب وهو نوع عذاب، فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب. فخلصوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية والملك الدائم في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسر الشهوات ورقها والأنس بذكر الله عز وجل والاشتغال بطاعته. وفعلوا بها مايفعل بالبازي إذا قصد تأديبه ونقله من التوثب والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب؛ فإنه يحبس أولاً في بـيت مظلم وتخاط عيناه حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جوّ الهواء، وينسى ما قد كان ألفه من طبع الاسترسال، ثم يرفق به باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفاً إذادعاه أجابه، ومهما سمع صوته رجع إليه. فكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أوّلاً ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات، ثو عودت الثناء والذكر والدعاء ثانياً في الخلوة حتى يغلب عليها الأنس بذكر الله عز وجل عوضاً عن الأنسبالدنيا وسائر الشهوات، وذلك يثقل على المريد في البداية ثم يتنعم به في النهاية، كالصبـي يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذا كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام، ويشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلاً عن اللبن، ولكنه إذا منع اللبن رأساًيوماً فيوماً وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفاً، ثم يصير له طبعاً. فلو ردَّ بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه، فيهجر الثدي ويعاف اللبن ويألف الطعام. وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب فتحمل على ذلك قهراً،
وتمنع عن السرج الذي ألفته بالسلاسل والقيود أوّلاً، ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد. فكذلك تؤدب النفس كما تؤدب الطير والدواب، وتأديبها بأن تمنع من النظر والأنس والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايلها بالموت، إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه. فإذا علم أنه من أحب شيئاً يلزمه فراقه ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا يفارقه وهو ذكر الله تعالى، فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه. وكل ذلك يتم بالصبر أولاً أياماً قلائل فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة وما من عاقل إلا وهو راض باحتمال المشقة في سفر وتعلم صناعة وغيرها شهراً ليتنعم به سنة أو دهراً. وكل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا. فلا بد من الصبر والمجاهدة. فعند الصباح يحمد القوم السرى وتذهب عنهم عمايات الكرى، كما قاله علي رضي الله عنه.
وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله. والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا، فالذي يفرح بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الأتباع في التدريس والإفادة، فينبغي أن يترك أوّلاً ما به فرحه، فإنه إن منع عن شيء من ذلك وقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع فكره ذلك وتألم به فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن بها، وذلك مهلك في حقه. ثم إذا ترك أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا بذكر اللهتعالى والفكر فيه. وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة ووسواس حتى يقمع مادته مهما ظهر، فإن لكل وسوسة سبباً ولا تزول إلا بقطع ذلك السبب والعلاقة. وليلازم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا بالموت.
بـيان علامات حسن الخلق:
اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه، فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتىترك فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن المجاهدة، فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق. فإن حسن الخلق هو الإيمان، وسوء الخلق هو النفاق. وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق. فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق. قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ} وقال عز وجل:
{التائبون العابدون الحامدون} إلى قوله {وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ} وقال عز وجل: {إنَّما المُؤْمِنونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله: {أولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنونَ حقاً} وقال تعالى: {وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وإذَا خَاطَبهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً} إلى آخر السورة. ومن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال: «المُؤْمِنُ يُحِبُّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، وقال عليه السلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ،وقال : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ، وقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنْ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» ، وذكر أن صفات المؤمنين هي حسن الخلق، فقال : «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيماناً أَحْسَنُهُمْ أَخْلاقاً» ، وقال : «إذا رَأَيْتُمُ المُؤْمِنَ صَمُوتاً وَقُوراً فَادْنُوا مِنْهُ فَإنَّهُ يُلَقَّنُ الحِكْمَةَ» ، وقال: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» ، وقال: «لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنِ أَنْ يُشِيرَ إلَى أَخِيهِ بِنَظْرَةٍ تُؤْذِيهِ» ، وقال عليه السلام: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرُوعَ مُسْلِماً» ، وقال : «إنَّما يَتَجَالَسُ المُتَجَالِسَاِن بِأَمَانَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَلا يَحِلُّ لأَحَدِهِمَا أنْ يُفْشِيَ عَلَى أخِيهِ ما يَكْرَهُهُ .
وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال: هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان، قليل الكلام كثير العمل، قليل الزلل قليل الفضول، براً وصولاً وقوراً صبوراً شكوراً، رضياً حليماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولابخيلاً ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله ويغضب في الله فهذا هو حسن الخلق.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامة المؤمن والمنافق فقال: «إنَّ المُؤْمِنَ هِمَّتُهُ فِي الصَّلاةِ وَالصِّيِامِ وَالعِبَادَةِ،
وَالمُنَافِقُ هِمَّتُهُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَالبَهِيمَةِ» ، وقال حاتم الأصم: المؤمن مشغول بالفكر والعبر، والمنافق مشغول بالحرص والأمل، والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله، والمنافق راج كل أحد إلا الله، والمؤمن آمن من كل أحد إلا من الله، والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله، والمؤمن يقدم ماله دون دينه، والمنافق يقدم دينه دون ماله، والمؤمن يحسن ويبكي، والمنافق يسيء ويضحك، والمؤمن يحب الخلوة والوحدة، والمنافق يحب الخلطة والملأ، والمؤمن يزرع ويخشى الفساد، والمنافق يقلع ويرجو الحصاد، والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح، والمنافق يأمر وينهى للرئاسة فيفسد.
وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفاء، ومن شكا من سوء خلق غيره دل ذلك على سوء خلقه، فإن حسن الخلق احتمال الأذى، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابـي فجذبه جذباً شديداً وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية، قال أنس رضي الله عنه: حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدّة جذبه، فقال: يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك، ثم أمر بإعطائه ولما أكثرت قريش إيذاءه وضربه قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ، قيل إنّ هذا يوم أُحُد فلذلك أنزل الله تعالى فيه: {وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ} .
ويحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج يوماً إلى بعض البراري فاستقبله رجل جندي فقال: أنت عبد؟قال: نعم، فقال له: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فقال الجندي: إنما أردت العمران؟ فقال: هو المقبرة، فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا ما الخبر؟ فأخبرهم الجندي ما قال له فقالوا، هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن فرسهوقبَّل يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه، فقيل بعد ذلك له: لم قلت له أنا عبد؟ فقال: إنه لم يسألني: عبد من أنت بل قال: أنت عبد؟ فقلت: نعم، لأني عبد الله، فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك؟ فقال: علمت أنني أؤجر على ما نالني منه فلم أرد أن يكون نصيبـي منه الخير ونصيبه مني الشر.
ودعي أبو عثمان الحيري إلى دعوة ــــ وكان الداعي قد أراد تجربته ــــ فلما بلغ منزله قال له: ليس له وجه، فرجع أبو عثمان فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانياً فقال له: يا أستاذ ارجع فرجع أبو عثمان فقال له مثل مقالته الأولى فرجع،
ثم دعاه الثالثة وقال: ارجع على ما يوجب الوقت فرجع، فلما بلغ الباب قال له مثل مقالته الأولى فرجع أبو عثمان، ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات وأبو عثمان لا يتغير من ذلك، فأكب على رجليه وقال: يا أستاذ إنما أردت أن أختبرك فما أحسن خلقك فقال: إنّ الذيرأيت مني هو خلق الكلب، إن الكلب إذا دعي أجاب وإذا زجر انزجر.
وروي عنه أيضاً اجتاز يوماً في سكة فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل شيئاً، فقيل: ألا زبرتهم؟ فقال: إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب.
وروي أنّ علي بن موسى الرضا رحمة الله عليه كان لونه يميل إلى السواد ــــ إذ كانت أمه سوداء ــــ وكان بنيسابور حمام على باب داره، وكان إذا أراد دخول الحمام فرغه له الحمامي، فدخل ذات يوم فأغلق الحمامي الباب ومضى في بعض حوائجه، فتقدّم رجل رستاقي إلى باب الحمام ففتحه ودخل فنزع ثيابه ودخل فرأى علي بن موسى الرضا فظن أنه بعض خدام الحمام، فقال له: قم واحمل إليَّ الماء فقام علي بن موسى وامتثل جميع ما كان يأمره به، فرجع الحمامي فرأى ثياب الرستاقي وسمع كلامه مع علي بن موسى الرضا فخاف وهرب وخلاهما، فلماخرج علي بن موسى سأل عن الحمامي فقيل له: إنه خاف مما جرى فهرب. قال: لا ينبغي له أن يهرب إنما الذنب لمن وضع ماءه عند أمة سوداء.
وروي أن أبا عبد الله الخياط كان يجلس على دكانه، وكان له حريف مجوسي يستعمله في الخياطة فكان إذا خاط له شيئاً حمل إليه دراهم زائفة، فكان أبو عبد الله يأخذ منه ولا يخبره بذلك ولا يردّها عليه، فاتفق يوماً أن أبا عبد الله قام لبعض حاجته، فأتى المجوسي فلم يجده فدفع إلى تلميذه الأجرة واسترجع ما قد خاطه فكان درهماً زائفاً، فلما نظر إليه التلميذ عرف أنه زائف فرده عليه، فلما عاد أبو عبد الله أخبره بذلك فقال: بئس ما عملت. هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة وأنا أصبر عليه وآخذ الدراهم منه وألقيها في البئر لئلا يغرّ بها مسلماً.
وقال يوسف بن أسباط: علامة حسن الخلق عشر خصال؛ قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو منالسيئات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبـير، ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه.
وسئل سهل عن حسن الخلق فقال:
ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشوء الصبـي انعجنت طينته منالخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث. ومهما رأى فيه مخايل التميـيز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبـيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء، وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ، فالصبـي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تميـيزه، وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه، مثلأن لا يأخذ الطعام إلا بـيمينه، وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل، وأن لا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ، وأن لا يوالي بـين اللقم؛ ولا يلطخ يده ولا ثوبه، وأن يعوّد الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً، ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم، وبأن يذم بـين يديه الصبـي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبـي المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعةبالطعام الخشن أي طعام كان، وأن يحبب إليه من الثياب البـيض دون الملون والإبريسم ويقرّر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرّر ذلك عليه، ومهما رأى على صبـي ثوباً من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه، ويحفظ الصبـي عن الصبـيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالفة كل من يسمعه ما يرغبه فيه، فإن الصبـي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يشغلفي المكتب، فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبـيان بذر الفسادثم مهما ظهر من الصبـي خلق جميل وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بـين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبـي واجتهد في إخفائه؛ فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً ويعظم الأمر فيه ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بـين الناس، ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً، والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح، وينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلاً ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم؛ بل يعوّد الخشونة في المفرش والملبس والمطعم، وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبـيح، فإذا ترك تعود فعل القبـيح. ويعوّد في بعض النهار المشي والحركة والرياضةحتى لا يغلب عليه الكسل، ويعوّد أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي، ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره، ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته، بل يعوّد التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم، ويمنع من أن يأخذ من الصبـيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة، وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمعفيها.
وبالجملة؛ يقبح إلى الصبـيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب، فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبـيان بل على الأكابر أيضاً، وينبغي أن يعوّد أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل. ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبـين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام،
ويمنع اليمين رأساً ــــ صادقاً كان أو كاذباً ــــ حتى لا يعتاد ذلك في الصغر، ويمنع أن يبتدىء بالكلام، ويعوّد أن لا يتكلم إلا جواباً وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سناً، وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بـين يديه، ويمنع من لغو الكلام وفحشه، ومن اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء، وأصل تأديب الصبـيان الحفظ من قرناء السوء. وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب، ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأبالشجعان والرجال، وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان. وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتَّاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبـي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً. وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سناً من قريب وأجنبـي، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم، وأن يترك اللعب بـين أيديهم. ومهما بلغ سن التميـيز، فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاةويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان، ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع.
ويخوّف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش، وكل ما يغلب على الصبـيان، فإذا وقع نشوءه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذهالأمور، فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل، وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها، وإن الموت يقطع نعيمها، وأنها دار ممرّ لا دار مقرّ، وأن الآخرة دار مقرّ لا دار ممرّ، وأن الموت منتظر في كل ساعة، وأنالكيِّس العاقل من تزوّد من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان، فإذا كان النشؤ صالحاً كان هذا الكلام عند البلوغ واقعاً مؤثراً ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر. وإن وقع النشؤ بخلاف ذلك حتى ألف الصبـي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس. فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى، فإن الصبـي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبـين.
قال : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ وَإنَّما أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .
قال سهل بن عبد الله التستري: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرّك به لسانك، الله معي الله ناظر إليَّ الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته فوقع في قلبـي حلاوته، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه؟ إياك والمعصية، فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بـي إلى المكتب فقلت: إني لأخشى أن يتفرّق عليَّ همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع، فمضيت إلى الكتَّاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها، فأتيت البصرة فسألت علماءها فلم يشفِ أحد عني شيئاً. فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبـي حبـيب حمزة بن أبـي عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني، فأقمت عنده مدّة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاداً على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي، فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحتاً من غير ملح ولا أدم، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة. ثم خمساً، ثم سبعاً، ثمخمساً وعشرين ليلة، فكنت على ذلك عشرين سنة، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى. قال أحمد: ما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى.
بـيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبـيل الرياضة:
واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريداً حرث الآخرة مشتاقاً إليها سالكاً سبلها مستهيناً بنعيم الدنيا ولذاتها، فإن من كانت عنده خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت إرادته في بـيعها بالجوهرة،
 
 
 
Published by ALMouDariSSe - dans نفائس النصوص
commenter cet article
20 juin 2007 3 20 /06 /juin /2007 23:45
imagesCA0KM62H.jpg 
 
تفسير القرطبي ج: 11 ص: 258
إما يأتينكم مني هدى أى رشدا وقولا حقا وقد تقدم في البقرة فمن اتبع هداى يعني الرسل والكتب فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وتلا الآية ومن أعرض عن ذكري أي ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه وقيل عما أنزلت من الدلائل ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول لأنه كان منه الذكر فإن له معيشة ضنكا أي عيشا ضيقا يقال منزل ضنك وعيش ضنك يستوى فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع قال عنترة إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل وقال أيضا إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقريء ضنكى على وزن فعلى ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته فصاحبه ينفق مما رزقه الله عز وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا كما قال الله تعالى فلنحيينه   حياة طيبة   والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الأزدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده على الانفاق فعيشه ضنك وحاله مظلمة كما قال بعضهم لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه وكان في عيشه ضنك وقال عكرمة ضنكا كسبا حراما الحسن طعام الضريع والزقوم وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه في كتاب التذكرة قال أبو هريرة يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه وهو المعيشة الضنك ونحشره يوم القيامة أعمى قيل أعمى في حال وبصيرا في حال وقد تقدم في آخر سبحان وقيل أعمى عن الحجة قاله مجاهد وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها وقيل عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه قال رب لم حشرتني أعمى أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى وقد كنت بصيرا أي في الدنيا وكأنه يظن أنه لا ذنب له وقال ابن عباس ومجاهد أي لم حشرتني أعمى عن حجتي وقد كنت بصيرا أي عالما بحجتي القشيري وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا قال كذلك لأتتك آياتنا أي قال الله تعالى له كذلك أتتك آياتنا أي دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا فنسيتها أي تركتها ولم تنظر فيها وأعرضت عنها وكذلك اليوم تنسى أي تترك في العذاب يريد جهنم وكذلك نجزي من أسرف أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن وعن النظر في المصنوعات والتفكر فيها وجاوز الحد في المعصية ولم يؤمن بآيات ربه أي لم يصدق بها ولعذاب الآخرة أشد أي أفظع من المعيشة الضنك وعذاب القبر وأبقى أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع ولا ينقضي
فتح القدير ج: 3 ص: 193
 سورة النحل الآية 101 105   هذا شروع فى ترغيب كل مؤمن فى كل عمل صالح وتعميم للوعد ومعنى من عمل صالحا من عمل عملا صالحا أى عمل كان وزيادة التمييز بذكر أو أنثى مع كون لفظ من شاملا لهما لقصد التأكيد والمبالغة فى تقرير الوعد وقيل إن لفظ من ظاهر فى الذكور فكان فى التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين وجملة وهو مؤمن فى محل نصب على الحال جعل سبحانه الإيمان قيدا فى الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال فلنحيينه   حياة طيبة   وقد وقع الخلاف فى الحياة الطيبة بماذا تكون فقيل بالرزق الحلال وروى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك وقيل بالقناعة قاله الحسن البصرى وزيد بن وهب ووهب بن منبه وروى أيضا عن على وابن عباس وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك وقيل الحياة الطيبة هى حياة الجنة روى عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وحكى عن الحسن أنه قال لا تطيب الحياة لأحد إلا فى الجنة وقيل الحياة الطيبة هى السعادة روى ذلك عن ابن عباس وقيل هى المعرفة بالله حكى ذلك عن جعفر الصادق وقال أبو بكر الوراق هى حلاوة الطاعة وقال سهل بن عبد الله التسترى هى أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق وقيل هى الإستغناء عن الخلق والإفتقار إلى الحق وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هى فى الدنيا لا فى الآخرة لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقد قدمنا قريبا تفسير الجزاء بالأحسن ووحد الضمير فى لنحيينه وجمعه فى ولنجزينهم حملا على لفظ من وعلى معناه
 
 
فتح القدير ج: 3 ص: 391
فإما يأتينكم منى هدى بإرسال الرسل وإنزال الكتب فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى أى لا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة ومن أعرض عن ذكرى أى عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه ولم يتبع هداي فإن له معيشة ضنكا أى فإن له فى هذه الدنيا معيشة ضنكا أى عيشا ضيقا يقال منزل ضنك وعيش ضنك مصدر يستوى فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث قال عنترة   إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل    وقرئ ضنكى بضم الضاد على فعلي ومعنى الآية أن الله عز وجل جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش فى الدنيا عيشا هنيا غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه كما قال سبحانه فلنحيينه   حياة طيبة   وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشا ضيقا وفى تعب ونصب ومع ما يصيبه فى هذه الدنيا من المتاعب فهو فى الأخرى أشد تعبا وأعظم ضيقا وأكثر نصبا وذلك معنى ونحشره يوم القيامة أعمى أى مسلوب البصر
وقيل المراد العمى عن الحجة وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدى إلى شيء منها وقد قيل إن المراد بالمعيشة الضنكى عذاب القبر وسيأتي ما يرجح هذا ويقويه قال ربى لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا فى الدنيا قال كذلك أى مثل ذلك فعلت أنت ثم فسره بقوله أتتك آياتنا فنسيتها أى أعرضت عنها وتركتها ولم تنظر فيها وكذلك اليوم تنسى أى مثل ذلك النسيان الذى كنت فعلته فى الدنيا تنسى أى تترك فى العمى والعذاب فى النار قال الفراء يقال إنه يخرج بصيرا من قبره فيعمى فى حشره وكذلك نجزى من أسرف أى مثل ذلك الجزاء نجزيه والإسراف الانهماك فى الشهوات وقيل الشرك ولم يؤمن بآيات ربه بل كذب بها ولعذاب الآخرة أشد أى أفظع من المعيشة الضنكى وأبقى أى أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع   وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم فى الحلية وابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة فى الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة وذلك أن الله يقول فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي فى الشعب من طرق عن ابن عباس قال أجار الله تابع القرآن من أن يضل فى الدنيا أو يشقى فى الآخرة ثم قرأ فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى قال لا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد فى مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا فى قوله معيشة ضنكا قال عذاب القبر ولفظ عبد الرزاق قال يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ولفظ ابن أبي حاتم قال ضمة القبر وفى إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف وقد روى موقوفا قال ابن كثير الموقوف أصح وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فى قوله فإن له معيشة ضنكا قال المعيشة الضنكى أن يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه بأطول منه قال ابن كثير رفعه منكر جدا وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فى قوله فإن له معيشة ضنكا قال عذاب القبر قال ابن كثير بعد إخراجه إسناد جيد وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود فى قوله فإن له معيشة ضنكا قال عذاب القبر ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنكى بعذاب القبر وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي فى كتاب عذاب القبر عن ابن مسعود أنه فسر المعيشة الضنكى بالشقاء وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ابي حاتم عن عكرمة فى قوله ونحشوه يوم القيامة أعمى قال عمى عليه كل شيء إلا جهنم وفى لفظ لا يبصر إلا النار.
تفسير الجلالين ج: 1 ص: 360
97 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فنحيينه   حياة طيبة   قيل هي حياة الجنة وقيل في الدنيا بالقناعة أو الرزق الحلال ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
تفسير النسفي ج: 2 ص: 270
من عمل صالحا من ذكر او انثى من مبهم يتناول النوعين إلا ان ظاهره للذكور فبين بقوله من ذكر او أنثى ليعم الموعد النوعين وهو مؤمن شرط الإيمان لأن اعمال الكفار غير معتد بها وهو يدل على ان العمل ليس من الايمان فلنحيينه   حياة طيبة   أي في الدنيا ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وعده الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا يعيش عيشا طيبا ان كان موسرا فظاهر وان كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى وأما الفاجر فأمره بالعكس ان كان معسرا فظاهر وان كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه وقيل الحياة الطيبة القناعة أو حلاوة الطاعة أو المعرفة بالله وصدق المقام مع الله وصدق الوقوف على أمر الله والاعراض عما سوى الله.
بـيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة:
قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوّة العقل وكمال الحكمة. وإلى اعتدال قوّة الغضب والشهوة، وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضاً. وهذا الاعتدال يحصل على وجهين.
أحدهما: بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق قد كفى سلطان الشهوة والغضب،، بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالماً بغير تعليم ومؤدباً بغير تأديب، كعيسى ابن مريم ويحيـى بن زكريا عليهما السلام، وكذا سائر الأنبـياء صلوات الله عليهم أجمعين. ولا يبعد أن يكون في الطبعوالفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبـي خلق صادق اللهجة سخياً جرياً، وربما يخلق بخلافه، فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق، وربما يحصل بالتعلم.
والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب. فمن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفاً مجاهداً نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعاً ويتيسر عليه فيصير به جواداً، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقاً له وطبعاً فيتيسّر عليه. وجميع الأخلاق المحمودة شرعاً تحصل بهذا الطريق، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذاً فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذييبذله دون الذي يبذله عن كراهة، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس، ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبـيحة ويتألم بها، كما قال : «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» ، ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به. نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير، ولكن بالإضافة إلى تركها لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع ولذلك قال الله تعالى: {وإنَّها لَكَبِـيرَةٌ إلاَّ عَلَى الخَاشِعينَ} وقال : «اعْبُدِ الله فِي الرِّضا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَفِي الصَّبْرِ عَلَى ما تَكْرَهُ خَيْر كَثِيرٌ» ، ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دون زمان، بلينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر، وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل، ولذلك لما سئل عن السعادة فقال: «طُولُ العُمُرِ فِي طَاعَةِ الله تَعَالَى» ، ولذلك كره الأنبـياء والأولياء الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة. وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ، وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب، وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات. وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى عز وجل، فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى، وذلك بأن يكون موزوناً بميزان الشرع والعقل، ثم يكون بعد ذلك فرحاً به مستلذاً له، ولا ينبغي أن يستبعد مصيرالصلاة إلى حد تصير هي قرة العين. ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك؛ فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة، ونرى المقامر قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار، مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بـيته وتركه مفلساً ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به، وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة. وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائماً على رجليه وهو لا يحسّ بألمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء، بل نرى الفاجر العيار يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على السياط، وعلى أن يتقدم به للصلب وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوّته في الصبر على ذلك، حتى يرى ذلك فخراً لنفسه، ويقطع الواحد منهم إرباً إرباً على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصر على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات فرحاً بما يعتقده كمالاً وشجاعة ورجولية، فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال قرة عينه وسبب افتخاره، بل لا حالة أخس وأقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطة النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين، حتى يجري بـين الحجامين والكناسينالتفاخر والمباهاة كما يجرى بـين الملوك والعلماء. فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك في المخالطين والمعارف. فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى المقابح، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمتالمواظبة عليه؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة؛ فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني، وميله إلىمقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه، وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها، فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله، إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معيناً له على حب الله تعالى وعلى دينه، فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض. فإذن قد عرفت بهذا قطعاً أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعاً انتهاء، وهذا من عجيبالعلاقة بـين القلب والجوارح ـ أعني النفس والبدن ـ فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور، ويعرف ذلك بمثال: وهو أن من أراد أن يصير الحذقفي الكتابة له صفة نفسية ــــ حتى يصير كاتباً بالطبع ــــ فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن، فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفاً، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه، فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعاً كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفاً، فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً، ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع.
وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء، وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس. وكذلك من أراد أن يصير سخياً عفيف النفس حليماً متواضعاً فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفاً حتى يصير ذلك طبعاً له، فلا علاج له إلا ذلك، وكما أن طالب فقه النفس لا يـيأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار ليلة، فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم. وهو معنى قولنا إن الكبـيرة الواحدة لا توجبالشقاء المؤبد ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها، ثم تتداعى قليلاً قليلاً حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأساً فيفوتها فضيلة الفقه. وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة. وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس بل يظهر فقه النفس شيئاً فشيئاً على التدريج ــــ مثل نمو البدن وارتفاع القامة ــــ فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال، ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة، وإنما اجتمعتالجملة من الآحاد، فلكل واحد منها تأثير، فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي، فله ثواب لا محالة. فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية. وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوماً فيوماً إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه. فكذا من يستهينصغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة، إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيداً بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها. وهو المعنى بانسداد باب التوبة وهو المراد بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَـيْنِ أيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} الآية. ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه: إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بـيضاء، كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البـياض، فإذا استكمل العبد الإيمان أبـيضّ القلب كله. وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق أسودّ القلب كله.
فإذا عرفت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة، وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح، إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً. فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعاً واعتياداً وتعلماً فهو في غاية الفضيلة، ومن كان رذلاً بالطبع واتفق له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها فهو في غاية البعد من الله عز وجل، وبـين الرتبتين من اختلفت فيه من هذه الجهات، ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} ــــ {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
بـيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق:
قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها. كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له، والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتخذ البدن مثالاً. فنقول:
مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها، مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه. وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلاً صحيح الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ــــ أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل ــــ وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربـية بالغذاء؛ فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال؛ وإنما تكمل بالتربـية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن البدن إن كان صحيحاً فشأن الطبـيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه؛ فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة، فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوّة إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها. وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها. فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفاً. وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولىفإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله تعالى مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد. وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص ــــ ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه وبالكثرة والقلة، ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد ــــ فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار. وكما أن معيار الدواء مأخوذ من عيار العلة حتى إن الطبـيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية؟ فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها.
فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم. وكما أن الطبـيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم. بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته. فإن كان المريد مبتدئاً جاهلاً بحدود الشرع فيعلمه أولاً الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولاً بمال حرام أو مقارفاً لمعصية فيأمره أولاً بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراضقلبه، فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال، فإن عزة النفس والرئاسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذلّ أعظم من ذلكالسؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه، فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة، وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلاً إلى ذلك فرحاً به ملتفتاً إليه استخدمه في تعهد بـيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة. فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بـينهم وبـين العروس التي تزين نفسها طول النهار، فلا فرق بـين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنماً فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله، ومن راعى في ثوبه شيئاً سوى كونه حلالاً وطاهراً مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه.
ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأساً أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة؛ فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم. كما يرغب الصبـي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة، فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات. وكذلك إذا رأى شره الطعام غالباً عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهيـىء الأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه. وكذلك إذا رآه شاباً متشوقاً إلى النكاح وهو عاجز عن الطول فيأمره بالصوم، وربما لا تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء. ويمنعه اللحم والأدم رأساً حتى تذل نفسه وتنكسر شهوته... فلا علاج في مبدإ الإرادة أنفع من الجوع. وإن رأى الغضب غالباً عليه ألزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصحبه ممن فيه سوء خلق، ويلزمه خدمة من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه.
كما حكي عن بعضهم أنه كان يعوّد نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب، فكان يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلفنفسه الصبر، ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل. وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب، فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج. وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبةواحدة. وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع. وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر؛ إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود والرياء بالبذل.
فهذه الأمثلة تعرفكطريق معالجة القلوب. وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض ــــ فإن ذلك سيأتي في بقية الكتب ــــ وإنما غرضنا الآن التنبـيه على أن الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضاد لكل ما تهواه النفس وتميل إليه، وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كلمة واحدة فقال تعالى:
{وأمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى} والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختباراً، فينبغي أن يصبر ويستمر، فإنه إن عوَّد نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت وإذا اتفق منه نقض عزم، فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه ــــ كما ذكرناه في معاقبة النفس في كتاب المحاسبة والمراقبة ــــ وإذا لم يخوّف النفس بعقوبة غلبته وحسنت عنده تناول الشهوة فتفسد بها الرياضة بالكلية.
بـيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة:
اعلم أنّ كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به، وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق له حتى لا يصدر منه أصلاً أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب. فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش. ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار. وكذلك مرض القلبأن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله؛ وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة سواه والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه. قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُون} ففي كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة. وخاصية النفس التي للآدمي، ما يتميز بها عن البهائم، فإنه لم يتميز عنها بالقوّة على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها؛ بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه. وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء. فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف شيئاً. وعلامة المعرفة المحبة فمن عرف الله تعالى أحبه وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات. كما قال الله تعالى: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأزْوَاجُكُمْ} إلى قوله: {أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وجِهَادٍ في سَبـيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يأتي اللَّهُ بأمْرِهِ} فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبه مريض، كما أنّ كل معدة صار الطين أحب إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبر والماء فهي مريضة. فهذه علامات المرض وبهذا يعرف أنّ القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله، إلا أنّ من الأمراض ما لا يعرفها صاحبها، ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه. وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو نزع الروح.
فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه لم يجد طبـيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض، فالطبـيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه. فلهذا صار الداء عضالاً والمرض مزمناً واندرس هذا العلم، وأنكر بالكلية طب القلوب وأنكر مرضها. وأقبل الخلق على حب الدنيا، وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات. فهذه علامات أصول الأمراض.
وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي لعالجها، فإن كان يعالج داء البخل فهو المهلك المبعد عن الله عز وجل وإنما علاجه ببذل الماء وإنفاقه، ولكنهقد يبذل المال إلى حدّ يصير به مبذراً فيكون التبذير أيضاً داء، فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة حتى تغلب الحرارة فهو أيضاً داء، بل المطلوب الاعتدال بـين الحرارة والبرودة. وكذلك المطلوب الاعتدال بـين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية من البعد عنالطرفين، فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك، فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتسيير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذلهولا إلى إمساكه، بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج، ولا يترجح عندك البذل على الإمساك فكل قلب صار كذلك فقد أتى الله سليماً عن هذا المقام خاصة. ويجب أن يكون سليماً عن سائر الأخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلقبالدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها غير ملتفتة إليها ولا متشوّقة إلى أسبابها، فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله المقربـين من النبـيـين والصديقين والشهداء والصالحين {وَحَسُنَ أولئكَ رَفِيقاً} .
ولما كان الوسط الحقيقي بـين الطرفين في غاية الغموض، بل هو أدق من الشعر وأحدّ من السيف فلا جرم ومن استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة، وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم ــــ أعني الوسط ــــ حتى لا يميل إلىأحد الجانبـين فيكون قلبه متعلقاً بالجانب الذي مال إليه.
ولذلك لا ينفك عن عذاب ما واجتياز على النار وإن كان مثل البرق قال الله تعالى: {وإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضياً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه. ولأجل عسر الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقيمَ} إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
فقد روي أنّ بعضهم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: قد قلت يا رسول الله شيبتني هود، فلم قلت ذلك؟ فقال عليه السلام لقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} فالاستقامة على سواء السبـيل في غاية الغموض، ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها. فكل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح، ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عنالأخلاق الحسنة فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه، وليعدّدها وليشتغل بعلاج واحد واحد فيها على الترتيب. فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من المتقين.
بـيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه:
اعلم أنّ الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه. فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق:
الأول: أن يجلس بـين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته. وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه، فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه. وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده.
الثاني: أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه، فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين.
كان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله أمرأً أهدى إليّ عيوبـي. وكان يسأل سلمان عن عيوبه، فلما قدم عليه قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فاستعفى فألح عليه فقال: بلغني أنك جمعت بـين إدامين على مائدة، وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل، قال: وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا، فقال: أما هذان فقد كفيتهما. وكان يسأل حذيفة ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين،
فهل ترى عليَّ شيئاً من آثار النفاق؟ فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه.
فكل من كان أوفر عقلاً وأعلى منصباً كان أقل إعجاباً وأعظم اتهاماً لنفسه، إلا أن هذا أيضاً قد عز فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب، أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب. فلا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيباً، أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك.
ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له: لم لا تخالط الناس؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبـي؟ فكانت شهوة ذوي الدين أنينتبهوا لعيوبهم بتنبـيه غيرهم، وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أنّ أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرّفنا عيوبنا. ويكاد هذا أن يكون مفصحاً عن ضعف الإيمان فإنّ الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة، فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقرباً لتقلدنا منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها، وإنما نكايتها على البدن ويدوم ألمها يوماً فما دونه، ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبداً أو آلافاً من السنين. ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له: وأنت أيضاً تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه، ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب. وأصل كل ذلك ضعف الإيمان. فنسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكرمن يطلعنا على مساوئنا بمنه وفضله.
الطريق الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساوئا. ولعل انتفاع الإنسان بعدوّ مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه، إلا أن الطبع مجبول على تكذيبالعدوّ وحمل ما يقوله على الحسد، ولكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه فإن مساوئه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم.
الطريق الرابع: أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيما بـين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيرهعيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى. فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه ويطهرها من كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديباً، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب.
قيل لعيسى عليه السلام: من أدبك؟ قال ما أدبني أحد، رأيت جهل الجاهل شيناً فاجتنبته. وهذا كله حيل من فقد شيخاً عارفاً ذكياً بصيراً بعيوب النفس مشفقاً ناصحاً في الدين فارغاً من تهذيب نفسه مشتغلاً بتهذيب عباد الله تعالى ناصحاً لهم، فمن وجد ذلك فقد وجد الطبـيب فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده.
Published by رشيد الشاذلي - dans نفائس النصوص
commenter cet article
19 juin 2007 2 19 /06 /juin /2007 16:23

imagesCAQ13OR1.jpg
تفسير القرطبي ج: 7 ص: 226

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فيه مسألة واحدة وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر فهو على العموم على الصحيح من الأقوال  .   وقال الضحاك معناه لا تعوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا. وقد ورد قطع الدنانير من الفساد في الأرض وقد قيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض  .  وقال القشيري المراد ولا تشركوا فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض, وأمر بلزوم الشرائع بعد   أن أصلحها الله ببعثه الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية : وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر...وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في هود إن شاء الله تعالى.  وادعوه خوفا وطمعا أمر أن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان. قال الله تعالى : نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم. فرجى وخوف فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا من ثوابه. قال الله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا. وسيأتي القول فيه. والخوف الانزعاج لما لا يؤمن من المضار, والطمع توقع المحبوب. قاله القيشيري. وقال بعض أهل العلم ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. صحيح أخرجه مسلم. قوله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين. ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه : أولهما أن الرحمة والرحم واحد وهي بمعنى العفو والغفران قاله الزجاج واختاره النحاس. وقال النضر بن شميل الرحمة مصدر وحق التذكير كقوله : فمن جاءه موعظة, وهذا قريب من قول الزجاج لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل أراد بالرحمة الإحسان ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقا جاوز تذكيره. ذكره الجوهري. وقيل أراد بالرحمة هنا المطر. قاله الأخفش قال ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث وأنشد : ,,فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها,, وقال أبو عبيدة ذكر قريب على تذكير المكان أي مكانا قريبا. قال علي بن سليمان : وهذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا في القرآن كما تقول إن زيدا قريبا منك وقيل ذكر على النسب كأنه قال إن رحمة الله ذات قرب كما تقول امرأة طالق وحائض. وقال الفراء إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر ويؤنث وإن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم تقول هذه المرأة قريبتي أي ذات قرابتي ذكره الجوهري وذكره غيره عن الفراء يقال في النسب قريبة فلان وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث يقال دارك منا قريب وفلانة منا قريب قال الله تعالى وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا وقال من احتج له كذا كلام العرب كما قال امرؤ القيس له الويل إن أمسي ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا. قال الزجاج وهذا خطأ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما.

فتح القدير ج: 2 ص: 213

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا ومنه قتل الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم ومن الفساد فى الأرض الكفر بالله والوقوع في معاصيه. ومعنى بعد إصلاحها بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتقرير الشرائع. قوله وادعوه خوفا وطمعا إعرابهما يحتمل الوجهين المتقدمين في تضرعا وخفية. وفيه أنه يشرع للداعى أن يكون عند دعائه خائفا وجلا طامعا في إجابة الله لدعائه فإنه إذا كان عند الدعاء جامعا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه. والخوف الانزعاج من المضار التى لا يؤمن من وقوعها والطمع توقع حصول الأمور المحبوبة. قوله إن رحمت الله قريب من المحسنين هذا إخبار من الله سبحانه بأن رحمته قريبة من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم, وفى هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم فإن قرب هذه الرحمة التى يكون بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عبادة الله.

كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج: 15 ص: 24

قوله تعالى : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قال أكثر المفسرين لا تفسدوا فيها بالمعاصى والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة غير الله مفسد فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد فى الأرض بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ومخالفة أمره. قال الله تعالى : ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. قال عطية في الآية : ولا تعصوا فى الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال غير واحد من السلف إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بنى آدم فتقول اللهم العنهم فبسبهم أجدبت الأرض وقحط المطر. وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود. والدعوة له هو لا لغيره والطاعة والإتباع لرسول الله. وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة. فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بالتوحيد ونهى عن فسادها بالشرك به ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله. ومن تدبر هذا حق التدبير وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى : وادعوه خوفا وطمعا, إنما ذكر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر أيضا أن يكون الدعاء خوفا وطمعا وفصل الجملتين بجملتين إحداهما خبرية ومتضمنة للنهي وهى قوله إنه لايحب المعتدين والثانية طلبية وهى قوله تعالى ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها والجملتان مقررتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها. ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضادها, أمر بدعائه خوفا وطمعا, لتعلق قوله إنه لا يحب المعتدين بقوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية. ولما كان قوله وادعوه خوفا وطمعا مشتملا على جميع مقامات الإيمان وهي الحب والخوف والرجاء, عقبها بقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين أي إنما تنال من دعاه خوفا وطمعا فهو المحسن والرحمة قريب منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة. ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الإعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله تعالى أنه لا يحب المعتدين. وانتصاب قوله تضرعا وخفية وخوفا وطمعا على الحال أى ادعوه متضرعين إليه مختفين خائفين مطيعين. وقوله إن رحمة الله قريب من المحسنين فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم منالله رحمته, ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعا وخفية وخوفا وطمعا, فقرر مطلوبكم منه وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه  وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله بمفهومه. فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان, هو السبب في قرب الرحمة منهم. ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين. وإحسانه تبارك وتعالى وإنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة, بعد ببعد وقرب بقرب. فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله فرحمته أقرب شىء منه ومن أبغضه الله فرحمته أبعد شىء منه.

تفسير القرطبي ج: 17 ص: 106

قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك لأنه أكبر الأثام. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي كبير على التوحيد. وفسره ابن عباس بالشرك والفواحش الزنى. وقال مقاتل كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد وقد مضى في النساء القول في هذا. ثم استثنى استثناء منقطعا وهي المسألة الثانية فقال : إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها, فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي اللمم كل ما دون الزنا. وذكر مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع فيه تمرا فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها إن داخل الدكان ما هو خير من هذا فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان فأتى رسول الله ص فقال يا رسول الله ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ; فقال لعل زوجها غاز ; فنزلت هذه الآية وقد مضى في آخر هود وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال زنى العينين النظر وزنى اليدين البطش وزنى الرجلين المشي وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج فإن تقدم كان زنا وإن تأخر كان لمما. وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ص قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. والمعنى أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حض من الإثم والله أعلم وقال ابن عباس أيضا هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب قال ألم تسمع النبي ص كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما. رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم ; قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده قال الشاعر إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما. وكذا قال مجاهد والحسن هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده. ونحوه عن الزهري قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية. ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم, فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم,إن ربك واسع المغفرة. فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا. قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك وقيل اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة ورواه العوفي والحكم عن عتيبة عن ابن عباس وقال الكلبي اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبو هريرة وزيد بن ثابت هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه وهو كقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف. وقيل اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة قاله نفطويه. قال والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما أي في الحين بعد الحين قال ولا يكون أن يلم ولا يفعل لأن العرب لا تقول ألم بنا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله. وفي الصحاح وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ويقال هو مقاربة المعصية من غير مواقعة وأنشد غير الجوهري بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل إن تملينا فما ملك القلب أي اقرب. وقال عطاء بن أبي رباح اللمم عادة النفس الحين بعد الحين وقال سعيد بن المسيب هو ما ألم على القلب أي خطر وقال محمد بن الحنفية كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر. وقال أبو إسحق الزجاج أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه. يقال ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال ما فعلته إلا لمما وإلماما أي الحين بعد الحين وإنما زيارتك إلمام ومنه إلمام الخيال قال الأعشى ألم خيال من قتيلة بعدما وهي حبلها من حبلنا فتصرما وقيل إلا بمعنى الواو وأنكر هذا الفراء وقال المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل أللمم النظرة التي تكون فجأة. قلت هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به لأنه يقع من غير قصد واختيار وقد مضى في النور بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون ورجل ملموم أي به لمم ويقال أيضا أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل قال الشاعر فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيال الثالثة. قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة , لمن تاب من ذنبه واستغفر. قال ابن عباس وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود رأيت في المنام أني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة فقلت لمن هذه فقالوا لذي الكلاع وحوشب وكانا ممن قتل بعضهم بعضا فقلت وكيف ذلك فقالوا إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة فقال أبو خالد بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثنى عشر ألف بنت. قوله تعالى : هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض. يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع قال الترمذي أبو عبد الله وليس هو كذلك عندنا بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض وكنا جميعا في تلك التربة أو في تلك الطينة ثم خرجت من الطينة المياه الى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات منهم كالدر يتلألأ وبعضهم أنور من بعض وبعضهم أسود كالحممة وبعضهم أشد سوادا من بعض فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه.

Published by رشيد الشاذلي - dans نفائس النصوص
commenter cet article

:هـــذا الــفــضاء

  • : ملخصات دروس مادة التربية الإسلامية للسنة الأولى ثانوي تأهيلي
  • ملخصات دروس مادة التربية الإسلامية للسنة الأولى ثانوي تأهيلي
  • : تشتمل هذه المدونة على ملخصات الدروس المقررة في مادة التربية الإسلامية لأقسام السنة الأولى ثانوي تأهيلي بالإضافة بالإضافة إلى شروح وتفاسير
  • Contact

بـــــحــــث

مــــوضــــوعـــات